صحيفة المرايا الالكترونية ..النجف: العلمانية والاحزاب الشمولية نبيل ياسين العلمانية والاحزاب الشمولية نبيل ياسين ================================================================================ المرايا - on 30 يناير, 2009 02:57:00 اجرت مجلة (مدارك) الفصلية لقاء معي ضمن ملفها عن الحركات العلمانية في العراق من خلال محررها الاستاذ يوسف محسن.ولاهمية موضوع العلمانية والتضليل الجاري بخلطه مع الاحزاب الشمولية القمعية رايت ان اعيد نشر اللقاء هنا خاصة والعراق على ابواب انتخابات يستعر فيها الصراع بين العلمانية المزيفة التي تدعيها احزاب معادية للعلمانية وبين الاحزاب الاسلامية. الحركات العلمانية العراقية ازمة تأسيسية ام ازمة سياسية؟ اولا :هل هناك تاريخ للحركات العلمانية في العراق، الحقل الثقافي ،الفكري ،السياسي ؟ الجواب : لا ليس هناك تاريخ للحركات العلمانية في العراق لان مثل هذه الحركات لم توجد. وجدت تجمعات تنكنوقراطية علمانية غير سياسية وغير منظمة كانت لها مواقع في المصارف والجامعات والمعاهد العلمية وبعض الحقول المهنية كالاطباء والمهندسين والاقتصاديين والكتاب والفنانين وبعض الصناعيين, لكن كل هؤلاء كانوا افرادا يشكلون تجمعات متناثرة رغم انهم يشكلون جزء كبيرا من الطبقة الوسطى العراقية التي بدأت تتشكل منذ ثلاثينات القرن الماضي. اذا كنت تقصد الاحزاب الشمولية كالشيوعيين والقوميين والبعثيين فهذه الاحزاب والحركات معادية للعلمانية وعلى النقيض منها. فهذه الاحزاب والحركات لاتؤمن بـ: حرية الفكر والتفكير حرية الثقافة واسقلاليتها ومدنيتها تحدد المجتمع المدني بالارتباط بايديولوجياتها وتحوله الى جهاز حزبي تلغي المواطنة وتستبدلها بالعضوية الحزبية تلغي سيادة القانون وتضع محلها الشرعية الثورية التي تعتمد على قرارات حزبية تجمد الدساتير لاتؤمن بالتعددية تؤدلج التعليم وتوجهه عقائديا لاتؤمن بالانتخابات ولا بالديمقراطية التي تستبدلها بالمركزية الديمقراطية داخل التراتبية الحزبية ومع هذا قمعت حتى هذه الفكرة التي لم تطبق ابدا واستعيض عنها بالابعاد او الاعدام او تشويه السمعة حسب قدرة الحزب واساليبه النتوفرة فاذا كان في السلطة فهو يعدم من يختلف معه واذا كان خارجها يحاصره ويشوه سمعته ويقطع رزقه. لناخذ مثال الجبهة الوطنية بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي في السبعينات: ماذا جرى خلالها اولا: وافق البعثيون والشيوعيون على قمع الحركة الكردية وهي حركة مشروعة تطالب بالحقوق القومية الطبيعية لقومية اصغر ثانيا: وافق الشيوعيون على قمع وانهاء الحركات القومية العربية خارج حزب البعث كما وافقوا على تبعيث الجيش وتحويله الى مؤسسة عقائدية يحرم دخوله على غير البعثي واعدام كل ناشط سياسي في الجيش خارج التنظيم البعثي . ثالثا:وافق البعثيون والشيوعيون على قمع حركة صفر عام 1977 واعدام عدد من المشاركين فيها. رابعا: تم تبعيث التعليم وتحويل المناهج الى مناهج عقائدية لحزب البعث خامسا: تم تبعيث الفن والادب والطب والهندسة وغيرها من علوم طبيعية وانسانية. لقد شغلوا العراق بمفهوم الرواد الذين اعطوهم اكثر من دورهم ومن حقهم. حسين الرحال مثلا.انه ببساطة انسان متواضع تبنى الماركسية ولكنه لم ينتج شيئا. ساطع الحصري وميشيل عفلق مثلا اخر. ان كل كتاباتهم انشائية عاطفية خرافية لم تمس اية مشكلة من مشاكل المواطنين. انها كتابات لتجنيد الشباب في احزاب . الفكر السياسي في العراق سواء كان ماركسيا او قوميا او بعثيا يتصف بالوله والعاطفية وليس له تطبيق حقيقي.انه ليس فكر الحريات والقانون والدستور والمصالح والمبادئ والحاجات والمطالب البشرية. اعتقد انني افاجئكم بهذه الافكار. لكنها الحقيقة, هناك مع الاسف غفلة فكرية وتضليل ايديولوجي يكرس الصراع بين القوى الدينية وبين القوى الشمولية( والقوى الدينية شمولية هي الاخرى) على انه صراع بين القوى الدينية والقوى العلمانية. اذن ماهي العلمانية؟ انها رحم الليبرالية. فالليبرالية هي حرية التفكير وتحرير العقل, فاين الاحزاب الشمولية من حرية التفكير وتحرير العقل؟ الشمولية هي تحجيم العقل. لكن لنعد الى الليبرالية, ماهي؟ انها حركة الحقوق الطبيعية, التي تعني ان حقوق الانسان هي حقوق طبيعية تولد مع الانسان وليست هبة من دين او ملك او سلطة او دولة. انها حقوق على الدولة احترامها وصيانتها وليس توفيرها لانها متوفرة طبيعيا. كما انها حركة حرية التعليم. اي ان التعليم يجب ان يكون علميا حرا خاضعا للتجربة وليس معطى دينيا يحدد المعرفة بدون تجارب واختراعات واكتشافات. لان الكنيسة منعت الاكتشافات لان بعضها يتعارض مع المعطى الديني ولذلك تعرض غاليللو وكوبرنيكوس وبرونو الى محنة احرق الاخير في نهايتها. فاين مثل هذا التعليم من هيمنة الاحزاب والحركات الشمولية؟ البعثيون دمروا التعليم وحولوه الى فكر صدام واكتشافاته التافهة والشيوعيون الى حولوه الى فكر ماركس ولينين وستالين ومنعوا التطور العلمي اذا كان راسماليا ووضعوا نظريات اقتصادية مرعبة كانت نهايتها تحطم الاتحاد السوفياتي وصورته التي رسمها التعليم الستاليني على مدى سبعين عاما. والسعودية تضع مناهج تعليم تمنع فيها الاطلاع على تطور الخلية لكنها تشحنها بالارهاب الديني.من هاتين النقطتين انطلقت العلمانية لتصل الى الليبرالية التي بدأت تتعرض الى تحديات كبرى في امريكا من قبل الادارة الامريكية نفسها, الادارة غير الليبرالية وغير العلمانية حيث بدأت الاعتماد على الكتاب المقدس والخرافات المتوارثة لتدير السياسة العالمية وتحدد مواقفها من دول العالم. في الواقع بدأ تصدع الليبرالية الغربية اثناء تحالف ادارة ريغان مع الفاتيكان في الثمانيات لادارة وتصعيد الحرب الباردة وانضمت ادارة تاتشر الى هذا التحالف لتقضي على عشرات المنجزات الليبرالية في بريطانيا وتسمح لنفوذ الشركات الكبرى ان يدمر الحريات الفردية التي وصلت الليبرالية الى تحقيقها باعتبارها مقدسة. ثانيا :الحركات العلمانية في العراق تعاني ازمة مزمنة منذ سبعينيات القرن الماضي حيث ضألة شعبيتها وتشرذمها وختلاط القيم والمفاهيم التاسيسة ( الحرية ، حرية الاعتقاد الديني ،المساواة ،التسامح ،المواطنه )هذه المفاهيم تبدو شاحبة وغير محدده في الواقع المجتمعي العراقي ، اين تكمن الازمة هل هي ازمة سياسية لهذه الجماعات أنيه ظرفية ام ازمة تاسيسية ( ازمة الدولة والمجتمع والثقافة )؟ الجواب : ليست هناك ازمة تعاني منها الحركات العلمانية في العراق لان هذه الحركات لم توجد. الحركات التي تقصدها هي حركات سياسية مغلقة لم تعتن بحقوق المواطن ولم تعرف التسامح وواعتبرت الدين افيون الشعوب واتخذت منه موقفا عدوانيا. ان الازمة تكمن في تقدير في الاطر الثقافية التي تربط المجتمع بالدولة. هذه الاطر ليست حقوقية او قانونية وانما سياسية وايديولوجية.انها اطر عقائدية تعتبر المواطن عدوا. وقد جسد البعث هذه الفكرة بمقولة( كل عراقي بعثي وان لم ينتم) اي ان الهوية الحزبية هي الهوية الاساسية ولذلك تشابكت الازمات , اذ انتجت هذه الاطروحة ازمة الهوية, فالدولة العراقية لم تعد هوية وانما الحزب هو هوية المواطنة, وهذا سمح للحزب ان يحل محل الدولة. ثم سمح لسلطة الحزب ان تكون المؤسسة البديلة للدولة فوجد العراقي نفسه بلا دولة. ليس صحيحا تماما ان بريمر حل الدولة العراقية. انه حل سلطة البعث. فالدولة لم تكن موجودة الا بشخص صدام بعد ان تطورت تراجعيا من دولة الى سلطة حزب ثم الى سلطة عشيرة ثم الى سلطة عائلة فسلطة فرد. وحين غاب صدام واختفى اختفى معه كل شئ.كذلك فعلت الاحزاب الاخرة وماتزال تفعل اليوم وبعضها في السلطة. ثالثا:نتيجة لغياب التأسيسات النقدية والفكريةللحركات العلمانية العراقية اصبحت نخب ذات نزعا نخبوية منغلقة وبالمقابل ظهور نخب شعبوية رثة وبدائية وهيمنتها على المشهد السياسي ،كيف تؤسس الحركات العلمانية ذاتها ووجودها الموضوعي في تاريخ العراق ؟ هل عبر تفكيك الدولة الريعية العراقية ، نمو الطبقات الوسطى ، الاندماج بالحداثة ، وهل ان المجتمع العراقي الراهن يحمل داخلة بذور جماعات علمانية؟ الجواب: العراق علماني منذ فجر التاريخ.اي انه يخترع الالهة والاديان رسميا ثم يضعف اداء الدين. العراق اول بلد اسلامي شهد حركات ناقشت الدين من المعتزلة الى الراوندية الى اخوان الصفا وحركة خلق القران وحتى الصوفية التي ظهرت ونشات واتخت العراق مقرا لها. العراق منذ ان ظهر بلد ريعي. حتى المسلمين حين فتحوا العراق جعلوه بلدا ريعيا ياخذون منه الخراج . والريع الخراجي كان مصدر حروب وثورات وتمردات وانفصال الاسلام الى شيعة وسنة وخوارج ومعتزلة ووهابية. الدولة الريعية انتجت المجتمع الرضاعي. اصبح المجتمع عالة على الدولة. خذ السعودية ودول الخليج مثلا. هناك عقد غير مكتوب هو العقد الاجتماعي مقلوبا: تتخلى الشعوب عن ممارسة السياسة وممارسة الحكم والاشتراك في القرار مقبال ارضاعها بالمال وتوفير وسائل العيش لها.تصور في العراق اليوم يعيش المثقفين بشكل رضاعي ينتظرون مكرمات الحكومة التي كرسها صدام. حقوقهم الطبيعية تتحول الى مكرمة برضاهم العبودي فاين العلمانية؟ صدام قضى على الطبقة الوسطى بوسائل شتى. هددتها الطفيلية التي انتشرت منذ ما سموه التنمية الانفجارية بعد الطفرة النفطية في السعينات وهي تنمية دعائية كاذبة كانت فرصة لاثراء طبقة طفيلية غير مثقفة وليست خبيرة وليس لها اختصاص علمي.اما الحداثة فهي يمكن ان تكون حلا لانها تعني الحريات وثقافة القانون والدستور وانتاج التكنولوجيا عبر التوازن بين الثقافة والتكنولجيا واستخدام التقنيات الجدية لصالح انتشار الوعي الثقافي. ان العلمانية حاجة اجتماعية. اي ان المجتمعات تتطور نحو تحقيق حقوها الطبيعية اضافة الى اكتساب حقوق تعتبر مكتسبة تتفرع عن الحقوق الطبيعية. مثلا الحق الطبيعي بحرية التعبير اصبح متاحا رغم انف السلطة الرسمية في كثير من الدول الدكتاتورية سواء عبر القنوات الفضائية او الانترنيت الى الوسائل الحديثة المتطورة للاتصالات. لاول مرة في تاريخ العراق الممتد على مدى اكثر من خمسة الاف عام تنقسم السلطة والصلاحيات على اكثر من واحد.لعل هذه القسمة التي اصبحت قابلة على ثلاثة او اربعة , اذا اضفنا السلطة الرابعة الممثلة حقيقة بالرأي العام الناخب وليس بالصحافة, هي مصدر خير كثير كما هي مصدر شر مستطير. النظام الديمقراطي ليس نظاما انسيابيا كما يبدو للبعض. انه اصعب من الدكتاتورية واعقد من الاستبداد.فانعدام العدالة في الدكتاتوريات والنظم المستبدة يعتمد على قرار واحد. اما اشاعة العدالة وسيادة القانون فانها محل تجاذبات اكثر من قرار, خاصة في مراحل التحول من نظام دكتاتوري ارسى قاعدة زمنية طويلة نسبيا كنظام البعث, الى نظام دستوري تعددي. لدينا اليوم في العراق مايلي: لدينا مجلس رئاسة من ثلاث مكونات مذهبية وقومية. لدينا مجلس وزراء يمثل حكومة وحدة وطنية من كتل برلمانية تضم عدة احزاب وتجمعات سياسية. لدينا رئاسة وزراء من ثلاث مكونات قومية ومذهبية لدينا رئاسة برلمان من نفس المكونات. لديناحكومة فدرالية واقليم يتمتع بسلطات وصلاحيات ودستور وعلم لدينا جيش وطني وشرطة وطنية ولدينا بيشمركة وصحوات ونخوات وميليشيات. لدينا دستور تشير المادة الثانية منه, بما تضمنته من اولا وثانيا وثالثا, الى حقيقة الوضع العراقي بما تحمله من قدرة على المساومة التي يفرضها الوضع الراهن. لدينا صحافة حزبية ووسائل اعلام حزبية لسبعين بالمائة من الاحزاب العراقية المشاركة في السلطة والبرلمان او المعادية للعملية السياسية. لدينا( بما انها تدخل البيت العراقي) وسائل اعلام عربية وعراقية في الخارج تعمل على ارباك الوضع العراقي ونقل اهداف الجيران والذين ابعد من الجيران في اسيا واوروبا وافريقيا والولايات المتحدة الى داخل البرلمان والحكومة والوزارة والشارع والمقهى والبيت والحزب والدكان. لدينا اكثر من وزارة اعلام واكثر من وزارة ثقافة واكثر من وزارة تجارة, وهذا مفهوم, لكن لدينا ايضا اكثر من وزارة خارجية طالما ان بعض الاحزاب والتجمعات السياسية سمحت لنفسها تمثيل العراق بنفسها ووفق ايديولوجياتها واهدافها الحزبية. لدينا اكثر من وزارة مالية غير حكومية تمول احزابا وقوى وجمعيات بحيث ان ما نسميه مؤسسات المجتمع المدني لم تعد مدنية على كثرة ما ارتبطت كثير من تلك المؤسسات بتمويل دول وحكومات عربية وغير عربية فتحولت الى اذرع ايديولوجية ومصادر عيش بدل التطوع فيها والعمل من اجل مصالح المواطنين. لدينا اكثر من فريق كرة قدم في العراق ومثلها فرق الكرة السياسية ولكن ليس لدينا حكام عادلون وعقلانيون يضبطون قواعد وشروط اللعبة وليس لدينا متفرجون ينتظرون نتائج المباريات فيحكمون منذ الضربة الاولى للكرة على نتائج المباراة. ومن قبل كان لدينا واحد فقط من كل ماذكرنا. فكل شئ موحد وتحت سيطرة شخص واحد عبر اجهزته القمعية الضاربة.