الرئيسية | تقارير وتحقيقات | ملفات خاصة | حكاية سنة اولى صوم

حكاية سنة اولى صوم

tcb
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حكاية سنة اولى صوم

 

كتب الاستاذ الدكتور عبد الامير كاظم زاهد استاذ الدراسات العليا في جامعة الكوفة على حسابه الشخصي في الفيسبوك مقالا حمل عنوان : حكاية اول سنة صيام  استذكر فيه اجواء شهر رمضان المبارك في ستينيات القرن الماضي 



 لا اتذكر انني صمت الشهر الفضيل كلة ثلاثين يوما على التواصل الا في شهر رمضان من سنة 1963 لعلها كانت السنة الاولى صيام وكان قد صادف ان تزامن مع شهر شباط وقد كان الجو باردا جدا وكنت ابن 12 سنة وانا طالب في مدرسة الطالبية الابتدائية بفضوة المشراق وعلى الاكثر انني كنت في الصف السادس الابتدائي اذ ان اتذكر وان في الصف الاول كان في اعلى الصف صورة الملك

ثقفتني مربيتي التي هي ليس امي ان اصوم رمضان لانه سيشعرني باللذة والسعادة فكانوا ان اجلسوني في منتصف ليلة الاول من الشهرذاك لناكل السحور ونحن نلتحف بالاغطية لشدة البرد لنعود الى الفراش على وقع ترديد نية الصيام ليوم غد

وكانت مربيتي ترسلني الى حرم الامام علي ع كل يوم بعد الظهر لاصلي الظهرين هناك واقرا جزءا من القران مع حلقة إقراء كانت تنتظم في احدى رواقات الحرم من الداخل وحينها كنت استمع الى قراءة صحيحة للقران نطقا واداء

وفي ذلك الوقت اي ظهرا عادة لايكون الحرم العلوي مزدحما انما يزدحم بعد العشاء بيد انه في الظهيرة يكون هادئا وجميلا ونيرا وبهيا كانه جزء من الجنة في القه وروحانيته حتى اذا صار العصرواقتربت ساعة الصحن الزوالية انذاك من ساعات الغروب اخرج للبيت

والساعة الزوالية يختلف توقيتها عن التوقيت العالمي انها تبدا ساعتها الاولى مع شروق الشمس وعند الظهر حيث زوال الشمس تكون في السا دسة وتصل في الغروب الى الثانية عشرة ثم تعود للساعة الواحدة ليلا بعد الغروب وكنت استمع الى دقاتها على راس الساعة وهي شامخة على باب الصحن المقابل للسوق الكبير اقول عند حلول العصر اعود الى بيتنا الذي لم يبعد عن الصحن الشريف اكثر من 500 متر لاجلب لهم ما يحتاجونه من السوق اذ لم تكن لدينا ثلاجات ولا مجمدات وكانوا يشترون ما يحتاجونه يوما بيوم لاسيما الخبز واللبن والخضروات

ويجتمع الاهل على مائدة الافطار لكن مربيتي كانت تامرني ان اصلي ا لمغرب والعشاء قبل تناول الافطار وان اتلو دعاء الافطار بصوت مسموع ثم اتناول الطعام بدءا بالملح اولا ثم الماء ثم التمر ثم الاشياء الاخرى وبعد ساعة من الافطار يخرج الناس الى مجالس الوعظ ومجالس الدعاء بالصحن الشريف او الى مجالس تجمع الاسر النجفية ويسهرون ربما حتى السحر فلا يعودون الا قرب حلول الفجر ليتناولوا السحور وينامون

اما الذين لديهم اعمال او دوام فينامون مبكرا اذ لم يكن انذاك تلفزيون و كان المثقف منهم يستمع الى المذياع وغالبا ما يستمع الناس الى اذاعة لندن بدقات بك بن bigben الشهيرة وصوت المذيع المميزفهي الاذاعة الوحيدة التي كانوا يعدونها ثقة يتلقون الانباء منها

ومن ينام مبكرا فان رجلا متطوعا يقوم قبل وقت السحور بساعة وبيده طبل كبير ويطرق الابواب ويضرب الطبل مناديا الناس للاستيقاظ ليتسحروا وكان الرجل الذي اتذكره هو محمد الاعمى وكان كفيفا يقوده ولده في ازقة المحلة التي يعرف كل دورها ثم ان له ظهورا اخر ليلة الخامس عشر من رمضان يهنيء الناس بولادة الامام الحسن ع وظهور ثالث ليلة العيد بيشر الناس بحلول العيد واخر ظهورله صباح يوم العيد لياخذ من الناس العيدية

ويكثر المتسولون في شهر رمضان كما يكثر المانحون لهم اذ تنص السرديات الدينية ان الحسنة في رمضان بسبعين واتذكر ان جارنا الحاج عبد عباس ابو صيبع وهو كبير اسرة ال ابو صيبع كانت لديه مائدة افطار لثلاثين يوما لا يدعو لها الا الفقراء الذين يسالون الناس في باب الصحن الشريف فيجلس معهم ويتناول فطوره كما يتناولون ثم ياخذون منه الى اسرهم

ويتعارف الناس ان يوزعوا كل ليلة جمعة افطارا للجيران بنية ثوابه لعزيز مات منهم فاراهم يحملون الصحون ويوزعون الطعام بالازقة قبل الغروب لذلك لايطبخ الناس كثيرا مساء الخميس من شهر رمضان لانه ستاتيهم الثوابات

لا ادري لماذا تنتشر الاضواء والمصابيح الكهربائية في ليالي الشهر الفضيل اكثر من بقية الاشهر ولا ادري لماذا ترى النهارات صامته هادئة خفيفة الوطء بينما الليالي صاخبة ومضيئة ومملوءة بالحركة والتسوق

كما لا ادري لماذا يكون شهر رمضان هو شهر لعبة المحيبس الشعبية التي تتبارى فيها محلات المدينة لكني اعرف ان انتاج الحلوى ( الزلابية - والبقلاوة ) انما ينتشر ليعوض الصائم عن الطاقة المبذولة منه طول النهار بالسكريات

في الرابع عشر من رمضان 1963 والمصادف 8 شباط سمع الناس بانقلاب عسكري على الزعيم الوطني النزيه عبد الكريم قاسم ذلك الرجل الذي ترفع المدرسة التي انا فيها صورته في كل الصفوف مبتسما ببدلة عسكرية انيقة ويصفق الطلاب له وللعلم العراقي صباح كل يوم بالعرض الصباحي ولاسيما ضحى يوم الخميس حينما نرفع العلم وننشد للزعيم وللوطن

قتل الزعيم وبكى الناس وعم الحزن وانقسم من نعرف من اهل المحلة الى شريحتين منهم من انخرط بما سمي انذاك بالحرس القومي فلبسوا الملابس شبه العسكرية وحملوا بندقية مصرية الصنع ارسلها جمال عبد الناصر لهم لانه كان خصما عنيدا لعبد الكريم قاسم اسمها رشاشة بور سعيد وصارو يطاردون من لم يكن معهم من مؤيدي الزعيم ولاسيما انصار الحزب الشيوعي العراقي فيعتقلون الرجال والنساء وينتهكون الاعراض والحرمات

وفي صبيحة يوم من اواخر رمضان اعتقلوا احب معلم لنا في مدرستنا واخذوه من المدرسة لقد قبضوا على معلمنا الاستاذ عدنان الانصاري الذي كان اجمل معلم واحلى اب وكان انيقا ولطيفا وابا حنونا فجلسنا نبكي على معلمنا على ابواب صفوفنا حتى ارسل المدير من يكفكف دموعنا ويطمئننا انه سيعود وطلب منا الدخول للصفوف فجاء المعلمون للصفوف وهم حزينون وصامتون وتغمرهم حيرة والم وترقب وخوف من ارهاب اسود يداهم الوطن الذي كان يزهو بالوهور

وفي اليوم الثامن عشر من رمضان ينشغل الناس بثلاثية مقتل الامام علي ع فتخصص الليلة االاولى للحديث عن الاغتيال وتسمى ليلة الجرح والاخرى تسمى ليلة المشتهاية وكان الناس ياكلون الرز المخلوط بالماش زعما انه ع طلب ذلك في الليلة التي سبقت وفاته اما الثالثة فليلة الاستشهاد

حيث تبدا مواكب العزاء باتجاه الصحن الشريف حتى منتصف الليل ثم يجتمع الناس في باحة الصحن للاستماع الى حكاية المقتل الكامل يتلوه الشيخ عبد علي الذي حينما يصل الى نقطة خروج الروح من جسد الامام يرمي عمامته ويمزق قميصه فيتناول الناس هذا القماش وما هي الا لحظة حتى تتحول العمامة والقميص الى الاف القطع الصغيرة فياخذها ليتبركوا بها ثم تنهال عليه عشرات القطع الكاملة من الملابس هدية من الناس له وتبركا به ووفاء لامامهم ولعله بعد ذلك يذهب ماشيا الى حيث مكان وفاة الامام بالكوفة وتذهب الناس معه وهناك يقام عزاء ينتهي عند شروق الشمس فيعود الناس الى بيوتهم ليناموا اذا تغلق الاسواق دكاكينها نهار 21 من رمضان حزنا على الامام

في الليلة التالية تبدا ليال القدر وتعود صورة الصحون الكبيرة المحمولة على الروؤس تجوب الازقة انه طعام ليلة القدر وثوابه المهدى للموتى

وفي 25 من رمضان يستعد الناس للتسوق للعيد وشراء الملابس الجديدة للاطفال وترى الزحمة عند الخياطين والحلاقين وينتظر الناس على ابواب بيوت الفقهاء ليلة الثلاثين من رمضان لعله يعلن ان غدا اول ايام عيد الفطر فاذا انتصف الليل ولم يثبت له عاد الناس ليكملوا العدة ثلاثين يوما

ربما احتاج الى فرصة اخرى للحديث عن الفعل الاجتماعي للعيد امل ان تتاح لي

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من ملفات خاصة

Newsletter