الرئيسية | مقالات الرأي | لرئيس الجمهورية حق التكليف وليس حق الترشيح

لرئيس الجمهورية حق التكليف وليس حق الترشيح

tcb
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

تتمادى الكتل النيابية في جدالها العقيم جراء عدم رغبتها من الخروج من شرنقة المحاصصة المقيتة وممارسة الانتقائية الأكثر مقتا عند تعاملها مع الدستور الذي كتبته وصوتت عليه بنعم ووصفت الحال بأنه كتب على عجل ، ولكن اكثر من عقد ونصف من الزمان لم تكفيها لمعالجة ما كتبته على عجل وبذلك لا يبقى العجب.
وللأسف الشديد لم يقدم السيد عادل عبد المهدي إستقالته إلى رئيس الجمهورية بل ذهب بها إلى مجلس النواب الذي لا صلاحية له في مثل هذه الحالة بناءا على إستشارة شفوية من جهات قضائية حسب تصريحه وأرسلها مجلس النواب إلى رئيس الجمهورية ، ومع ذلك بقي السيد عادل عبد المهدي يمارس مهام تصريف الأعمال، على الرغم من إن الاستقالة تعني خلو المنصب بكل المعاني ولن تقبل التأويل ، فالموظف الحكومي المستقيل يترك عمله، ورئيس الوزراء موظف حكومي كان عليه يخلي المنصب الوظيفي حال إعلان إستقالته ، وحين ذاك ينبغي العمل على وفق المادة (٨١) من الدستور والتي تنص :
( اولا: يقوم رئيس الجمهورية مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب لأي سبب كان ). ولكن ما يؤسف له نجد الجميع يستهوي الخرق للدستور على الإلتزام به على علاته ، أما البند ثانيًا من المادة (٨١) يحدد آلية الترشيح والتكليف بكل وضوح ولا يجوز تحميل النص ما لا يحتمل لنقرأ النص معا.
ثانيا: ( عند تحقق الحالة المنصوص عليها في البند “اولا” من هذه المادة يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح آخربتشكيل الوزارة خلال مدة لا تزيد على خمسة عشر يوما ووفقا لاحكام المادة (76) من هذا الدستور ).
والآن نتوقف عند مفردات النص لمعرفة مسؤولية من ترشيح رئيس لمجلس الوزراء ؟! ومسؤولية من مسألة التكليف ؟! أم إن المسؤوليتين لجهة واحدة.
فالنص يقول ( ... يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح آخر ... )، وبذلك يتضح بأن مسؤولية رئيس الجمهورية هي التكليف وليس الترشيح بدليل النص لا يقول بان رئيس الجمهورية يكلف مرشح من قبله أو يقوم رئيس الجمهورية بترشيح وتكليف مرشح آخر، إضافة إلى ما تقدم فإن التكليف ( يتم وفقا لأحكام المادة (٧٦) من هذا الدستور )، والمادة (٧٦) بشأن التكليف حددت في البند ( اولا: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية ). والكتلة الأكثر عددا معروفه حسب العرف الدستوري وتجارب شعوب العالم ذات الأنظمة النيابية هي الكتلة الفائزة بأكثر عددا من المقاعد النيابية، وعند إخفاق مرشحها يتم تكليف مرشح من الكتلة الفائزة بالمرتبة الثانية وهكذا تعالج الأمور وعدم تأزيم الوضع العام وإدخال البلاد في أزمة سياسية قد تكون خانقه، كما حصل في عام ٢٠١٠ ، إذ ذهبت المحكمة الإتحادية العليا إلى إتجاه غريب وغريب جدا وإعتبرت ( الكتلة الأكثر عددا ) هي الكتلة التي تتشكل في داخل مجلس النواب أي ليس الكتلة الفائزة، ولم يصمد رأي المحكمة هذا إذ أجابة في عام ٢٠١٩ على طلب رئيس الجمهورية حول تحديد (الكتلة الأكثر عددا ) على إنها تلك الكتلة التي ممكن تتشكل عند المصادقة على نتائج الانتخابات أي الكتلة الفائزة أو تلك التي تتشكل داخل مجلس، وبذلك أصبحنا أمام حالة ( أما ) ( أو )وهذا بحد ذاته أغرب الغرائب في مجال القضاء.
ومع العلم قرارات المحكمة الإتحادية العليا من القرارات غير القابلة للطعن إلا أن تتراجع المحكمة ذاتها كما حصل في قرار ٢٠١٠ وتغير عام ٢٠١٩ بشأن موضوع الكتلة الاكثر عددا، أو يتم تعديل الدستور الذي لم يعدل منذ ٢٠٠٥ رغم تشكيل لجنة لتعديله آنذاك حتى يومنا هذا.
وعند النظر بدقة إلى البند ثالثا من المادة (٧٦) نجد ما يؤكد راينا حول مسؤولية رئيس الجمهورية هي التكليف وليس الترشيح .
لنقرأ النص ( يكلف رئيس الجمهورية مرشحا جديدا لرئاسة مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما عند اخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة خلال المدة المنصوص عليها في البند “ثانيا” من هذه المادة ).
إن المرشح الجديد بالضرورة لا يكون مرشح رئيس الجمهورية لأن الترشيح ليس من مهامه في النظام النيابي كما هو الحال في النظام الرئاسي وكذلك دستور ٢٠٠٥ لم ينص على مثل هذا الحق.
ولا يكون المرشح بالضرورة أيضًا من الكتلة الأكثر عددا عند مصادقة النتائج أو تشكلت داخل مجلس النواب، على إعتبار مرشحها أخفق في تشكيل الوزارة، وهذا الإخفاق لا علاقة له بشخص المرشح إنما ببرنامج وآلية عمل وزارته، ولابد من تقديم مرشح من كتلة نيابية أخرى وليس أي طرف، لكن نزعة القوى المهيمنة على القرار وتمسكها بمنهج التحاصص جعلها لا تجيد سوى خرق الدستور وتأويل نصوصه غير القابلة للتأويل لشدة وضوحها وتوافقها مع بديهيات العمل النيابي، ولأن ذهنية تلك القوى تنظر للشخص وليس لبرنامجه وتضع مصالحها الضيقة فوق كل شيء وتذهب إلى تفسيرات غير موضوعية.
وذات المعنى أي ليس من مهام رئيس الجمهورية الترشيح نجده في نص البند خامسا من المادة (٧٦)( يتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشح آخر بتشكيل الوزارة خلال خمسة عشر يوما في حالة عدم نيل الوزارة الثقة ).
وفي هذا السياق نؤكد على ضرورة الالتزام بالنص الدستور لكي يكون ذلك عامل إستقرار للوضع العام في البلاد، وعلى رئيس الجمهورية الحذر والحذر الشديد من الإجتهادات غير الموضوعية التي تطلق من مختلف الجهات بحجة الخروج من المأزق ، وهو مأزق العابثين بمصير البلاد ونشير إلى مخاطر تلك التفسيرات المتزايدة بإتجاه تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية ترشيح وتكليف مرشح جديد، وكأن السيد محمد علاوي كان مرشح رئيس الجمهورية كما تحاول تلك القوى تسويق ذلك وتعتبره وهو من كلفه بشكل مباشر، وهذا ما لم يحصل، إنما الذي حصل في واقع الحال هو تقديم (١٧٠) نائب اسم محمد علاوي كمرشح جديد كلفه رئيس الجمهورية على إعتبار هؤلاء النواب يمثلون الكتلة الأكثر عددا حسب تفسير المحكمة الاتحادية العليا الأخير ، وهذا دليل آخر بأن رئيس الجمهورية لا يمكن أن يرشح ويكلف في آن واحد، إنما على مجلس النواب أن يقدم مرشح يحظى بالأغلبية المطلقة من عدد أعضائه ليقوم رئيس الجمهورية بعملية التكليف .
وأخيرا نزعم بأن منهجية خرق الدستور ستستمر بأعتبارها عرف عراقي بإمتياز منذ ٢٠٠٥، كمًا تلوح بالأفق موقف للمحكمة الإتحادية العليا كإجابة على إستفسار رئيس الجمهورية حول السند الدستوري لموضوع الترشيح من قبله ومضمون البند ثالثا وخامسا من المادة (٧٦)، وهنا نعبر عن القلق الشديد إتجاه إجتهاد المحكمة المنتظر قد تقدم رأيا غريبا جديدا يزيد الأزمة تعقيدًا .
إن للخروج من هذا المأزق سبيل واحد لا غير بحكم عدم قدرة الكتل على الوصول إلى حل في هذه الظروف القاسية والقاسية جدا سياسا واقتصاديا وصحيا، أن ينتفض أعضاء مجلس النواب على كتلهم وتتساوق إنتفاضتهم مع إنتفاضة الشعب، ويتفقوا على مرشح من قبلهم يقدم لرئيس الجمهورية لتكليفه لتحقيق المطالب المشروعة المعروفة والمحددة لإنقاذ البلاد ووضعه على الطريق السليم.

المستشار القانوني
محمد عنوز
٢٠٢٠/٣/١٥

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من مقالات الرأي

Newsletter