فرقة العقرب الاسود موسيقى روك من العراق
نادرا ما يقع مستمعو الإذاعة الوطنية في حب فرقة تعزف موسيقى الهيفي ميتال، لكن فرقة Acrassicauda ليست عادية. فهذه الفرقة المؤلفة من أربعة أشخاص والتي يعني اسمها "العقرب الأسود" باللغة اللاتينية أقامت أول حفل حي لها خلف جدران مقاومة للتفجيرات وأسلاك شائكة، ودمر صاروخ المكان الذي كانت تتمرن فيه، وتلقت تهديدات بالقتل من قبل الأصوليين لأنها تعزف "موسيقى شيطانية غربية"، وكل هذا حدث قبل أن تسجل أول أغنية لها في الاستوديو. يمكن القول إن أعضاءها اختاروا مكانا صعبا لإطلاق مسيرتهم الموسيقية. يقول مروان حسين، البالغ من العمر 25 عاما، وهو عازف الإيقاع في Acrassicauda: "الفرق الموسيقية الأخرى في العراق إما متخصصة بالعزف في حفلات الزفاف أو حفلات الختان، لذا كنا مختلفين جدا، ومن غير الجيد أن يكون المرء مختلفا في العراق".
كفاح هذه الفرقة الموسيقية كان موضوع الفيلم الوثائقي Heavy Metal in Baghdad الذي أنتجه سبايك جونز وأخرجه سوروش ألفي من مجلة فايس عام 2007. فجأة أصبح مستمعو الإذاعة الوطنية ونقاد مهرجان أفلام تورنتو ومستخدمو YouTube المحنكون مهووسين بقصة عازفي الروك من بغداد في زمن الحرب. هؤلاء الأصدقاء منذ أيام المدرسة الثانوية، وهم فيصل طلال مصطفى وتوني ياكو وفراس عبدالرزاق وحسين، تخطوا أعمال العنف والفوضى من خلال تطلعهم إلى اليوم الذي سيصبح فيه بإمكانهم أن يدعوا شعرهم يطول ويعزفوا موسيقى الروك بصوت عال، وبدا أن نصف العالم يشجعهم.
التغطية الإعلامية للفيلم الوثائقي من قبل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وقناة الجزيرة وسي أن أن إنترناشونال جعلت من Acrassicauda فرقة روك شهيرة في العالم العربي، وهدفا مهما. لذلك باعوا آلاتهم الموسيقية وهربوا من العراق في أواخر عام 2006، وانضموا إلى ملايين العراقيين الآخرين الذين يشكلون اليوم إحدى أكبر مجموعات اللاجئين في العالم. غالبا ما كانوا ينامون ستة أشخاص في غرفة واحدة وينتقلون من مكان إلى آخر كل ستة أشهر. وأمضى أعضاء Acrassicauda أكثر من عامين وهم بالكاد يجنون قوتهم في معاقل اللاجئين في سوريا وتركيا. أخيرا وبفضل عمل لجنة الإغاثة الدولية و40.000 دولار من التبرعات التي جمعتها مجلة فايس عبر موقع PayPal، تمكن أعضاء الفرقة المفلسون والمنهكون من الوصول إلى الولايات المتحدة قبل نحو عام. في أسبوعهم الأول هناك، دعتهم فرقة Metallica للقاء أعضائها في كواليس مركز برودنشال في نوارك حيث قدم مغني الفرقة جيمس هاتفيلد لياكو المذهول آلة غيتاره المزدوجة الرأس ووقعها وقال لهم: "أهلا بكم في أمريكا". المحطة التالية هي النجومية في موسيقى الروك.
أو ربما لا. ومع أن أول أغنية لهم بعنوان Only the Dead See the End of the War (وحدهم الأموات يشهدون نهاية الحرب) أطلقت الأسبوع الماضي، فإن معظم أعضاء الفرقة يعملون في وظيفتين أو ثلاث وظائف خدماتية ويعيشون في شقق صغيرة. وبالكاد يتسنى لهم الوقت للتمرن بعد العمل، ناهيك عن إقامة حفلات. يقول عازف الغيتار الإيقاعي رزاق، البالغ من العمر 28 عاما، الذي تخلى عن متجر بيع أجهزة الكمبيوتر الذي كان يملكه في بغداد عندما هرب برفقة زوجته: "نحن ملوك من دون عرش. نحن مشاهير. الجميع يعرفوننا لكننا لا نزال نكافح. في بعض الأحيان، أتساءل بصراحة: ماذا فعلت؟ الأمر الوحيد الذي يحفزني على الاستمرار هو التفكير في الماضي". حسين، الذي كان معلما للغة الإنجليزية والفنون في العراق ويعمل اليوم نادلا، يقول إن النظر إلى المستقبل يمكن أن يكون مخيفا أكثر من مواجهة ماضيهم المضطرب. ويضيف: "لقد مضى على وجودنا هنا أكثر من عام. أحيانا أتساءل: هل سننجح في أمريكا أم سنكون مجرد شبان يعملون في مختلف وظائف اللاجئين كي يتمكنوا من العيش؟"
لقد أتى نحو 30.000 عراقي إلى الولايات المتحدة كلاجئين منذ عام 2003. الكثير من الذين استقروا هنا هم من أفراد الطبقة الوسطى في بغداد، ومستوى معيشتهم هناك كان في الحقيقة أعلى من مستوى معيشة بعض أفراد الطبقة الوسطى الأمريكية. كانوا يعملون في وظائف إدارية ويركنون سياراتهم الجديدة أمام منازل مدفوع ثمنها بالكامل. لقد وصلوا إلى هنا معتقدين أنهم سيحافظون على نمط العيش نفسه، لكن بدلا من ذلك، بات الكثيرون منهم يعيشون في الفقر. تقول مليسا وينكلر، الناطقة باسم لجنة الإغاثة الدولية: "يتمتع اللاجئون العراقيون عادة بخبرة مهنية أكثر من غيرهم من اللاجئين الجدد، ومعظمهم كانوا يتوقعون أن يتمكنوا من إعادة إطلاق مسيرتهم المهنية هنا خلال فترة قصيرة. هذا لم يحدث، والسبب يعود جزئيا إلى الأزمة الاقتصادية. ولم يتوقعوا أبدا أنهم سيحصلون على هذا القدر الضئيل من المساعدة لبدء حياتهم الجديدة من قبل البلد الذي لعب دورا مباشرا جدا في محنتهم. إنها صدمة حقيقية".
يكمن جزء من المشكلة في برنامج إعادة التوطين الأمريكي الذي لم يتم تحديثه منذ حقبة ما بعد حرب فيتنام. حتى هذا العام، كانت الحكومة تخصص 900 دولار لكل لاجئ راشد لتغطية نفقات السكن والطعام وغيرها من النفقات المعيشية (ضاعفت إدارة أوباما هذا المبلغ أخيرا). كما أن الحالة الاقتصادية فاقمت المشكلة. فقبل عامين، كانت نسبة العاملين بين الذين نقلتهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى الولايات المتحدة تقارب الـ80 بالمائة» واليوم أصبحت تبلغ 40 بالمائة.
مع أن معظم أعضاء Acrassicauda حصلوا على عمل في غضون ثلاثة أو أربعة أشهر من وصولهم، يقول حسين إن هذه الوظائف غالبا ما تكون غير مستقرة ومتدنية الأجر، مما يعني أن أربعتهم يبحثون بشكل دائم عن عمل. يقول حسين الذي عاش في البداية مع بقية أعضاء الفرقة، إضافة إلى زوجة رزاق وطفله، في مدينة إليزابيث بنيو جيرسي: "ظننا أن الأمور ستكون مختلفة حالما نصل إلى هنا. اعتقدنا أننا سنحيي حفلات ونشارك في مقابلات. لكن بدلا من ذلك، وجدنا أنفسنا ستة أشخاص نعيش في شقة لا تحتوي إلا على غرفة نوم واحدة". كان للظروف القاسية تأثير سلبي على الفرقة، وياكو، البالغ من العمر 31 عاما، الذي لا يزال بحاجة إلى مترجم للتواصل، غادر نيوجرسي للإقامة مع أقرباء له في ديترويت. وشرع حسين فيما يسميه "جولة الكنبة" ــ حيث كان يمكث في شقق العديد من موظفي مجلة فايس في نيويورك ــ في حين أن المغني مصطفى، البالغ من العمر 26 عاما، فكر جديا في العودة إلى وطنه. يقول مصطفى: "لم نصل إلى هنا بسهولة، وأعرف أننا لن نتمكن من العودة بسهولة أيضا. لكن لا تمر لحظة لا نفكر فيها بجميع الذين تركناهم هناك. ماذا عسانا نفعل؟ لا شيء، لأنه لا يمكننا العودة".
بدأت الأمور تتحسن عندما حصل مصطفى وحسين على شقة سكنية في بروكلين وأقنعا ياكو بالعودة إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة. كما أنهم تلقوا مساعدة من قطاع الموسيقى. بول غرين، مؤسس مدرسة الروك، وفر لهم إمكانية التدرب مجانا في مدرسته، وقام حسين بإعطاء دروس في العزف الإيقاعي هناك في المقابل. كما أن ديف درايويتز من فرقة Ween التي تعزف موسيقى الإندي قدم لهم غيتارا، وفي النهاية قام أحد أبطالهم من موسيقى الروك، أليكس سكولنيك من فرقة Testament، بتقديم المشورة لهم. وساعدهم في الحصول على آلات عزف جديدة وتحسين أدائهم في الحفلات الحية وتسجيل الأغنيات في الاستوديو. يقول سكولنيك الذي أنتج ألبومهم: "كانت موسيقاهم غير مصقولة، وتحتاج إلى تحسين بصراحة. بسبب كل تلك السنوات التي أمضوها في بلد محتل على شفير الحرب الأهلية حيث من غير الآمن أن يتمرنوا، توجب عليهم تحسين أنفسهم كثيرا. كانت هناك لحظات من الإبداع، وكانوا يتمتعون بأسلوب مميز. لكن كان من الضروري صقله. لقد قطعوا شوطا طويلا، وأملي كبير بمستقبل هذه الفرقة".
تتمتع فرقة Acrassicauda بأفضلية واحدة على معظم بقية فرق الهيفي ميتال، فأعضاؤها عاشوا فعلا الكلمات التي يغنونها ويصرخونها. الحرب موضوع شائع بين فرق موسيقى الروك، لكن عندما يقول مصطفى في أغنية Message From Baghdad :"هل هي مشيئة الله أم مجرد كذبة؟/ بعض الناس يعيشون وغيرهم يموتون/ لم تسنح لهم فرصة ولن تسنح لهم أي فرصة/ محكوم عليهم بالهلاك إلى الأبد وأنا أتساءل لماذا"، يطغى على أغنيته طابع ملح وواقعي نادرا ما نسمعه في عالم الموسيقى اليوم. الألبوم يحظى منذ الآن بنقد إيجابي (جاء في مجلة تايم أوت: "عزف قوي ووصلات قاسية سيستمتع بها أي محب لموسيقى فرقتي Metallica وSlayer")، وقد كانت الفرقة ضيفة الشرف في إحدى حلقات برنامج Headbangers Ball على شبكة أم تي في الموسيقية، ودعتهم ريتشل مادو للعزف في برنامجها على شبكة أم أس أن بي سي. لكن أعضاء Acrassicauda يعتبرون أن أداءهم هذا الشهر في مهرجان الروك في سيون بولاية أوهايو هو أحد أول الدلائل الفعلية على أنهم ينجحون كفرقة موسيقية. يقول ياكو بلغته الإنجليزية المكسرة: "نريد أن نكون معروفين بموسيقانا الآن. نريد أن نسمع 1.000 شخص، لا بل أكثر من 1.000 شخص يهتفون في عروضنا. لا نريد العزف لمجرد كسب قوتنا، نريد أن نعيش حياة نجوم الروك".


إكتب تعليق