الرئيسية | اصدارات | قادة الفكر الديني والسياسي في النجف الأشرف

قادة الفكر الديني والسياسي في النجف الأشرف

بواسطة
عدد القراءات : 774
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
قادة الفكر الديني والسياسي في النجف الأشرف

 .نزار العبد الجبار : النجف الأشرف مربض أمير المؤمنين ، ذلك الشخصية العظيمة البطلة، ومقر المرجعية العليا للمسلمين منذ ألف عام، وحاضرة العلم والأدب منذ تأسيسها حتى اليوم، وقد أحطت خبراً بلمسات نابضة من حياة بعض أعلامها وقادتها وأبطالها الأشاوس، وتابعت في رؤية منهجية مصادر العطاء الثّر في حنايك أولئك الرموز.

 

وكان الشيعة وما زالوا هم السابقين في العلوم والتضحية والفداء، على مر العصور وحتى الوقت الحالي، فظهر منهم فطاحل يشار إليهم بالمواقف والصمود.

 

ولو تتبع المنصف تاريخ علماء وأعلام الشيعة لوجد هم من كان لهم دور بارز في الحياة العلمية والسياسية والقيادية والأدبية، فنجد في العصر الحديث كيف انتصار الإمام الخميني على الشاه الذي لم يكن أحد يتصور ذلك، وانتصار السيد حسن نصر الله على أمريكا ويدها إسرائيل وبدنها العالم الغربي الذي كان كله ضد الشيعة، وفعلاً استطاع الحزب بقيادة هذا السيد من انتصار ساحق لم يكن العقل البشري يتصور ذلك فقد كان خارج التصور العقلي، ينتصر على أكبر تراسانة عسكرية بالشرق الأوسط، ومعه العالم أجمع تقريباً بجميع إمكانياتها وتقنياتها، وكذلك الجبهات الداخلية، حتى أنه أتهم بالعمالة لإسرائيل لِما حققه والذي لم يتصور أحد ذلك حتى في الأحلام، ولولاء أنه شيعي، لو كان من أي دين أو مذهب لرفعوه وحزبه للسماء ولم ينزلوه، هكذا الشيعة لهم الأسبقية لهم الفداء لهم الدور البارز في كل شي، ولقد أثروا جميع الجوانب، ويكفيهم فخراً أنهم من مدرسة الإمام جعفر الصادق .

 

يقدم لنا الدكتور محمد حسين الصغير، عبر «319ص»، بعض من قادة الفكر الديني والسياسي في النجف، وقد اختار ثمانية نماذج ممن عايشها أو كانت قريبة العهد منه، على أنه لو تتبع كل من كان له دور بارز في القيادة لطال به المقام. فسجل كثير من جوانب حياتهم الجهادية والسياسية والدينية والقيادية وبعض من سيرهم الذاتية. صدر الكتاب سنة 1429هـ عن مؤسسة البلاغ وَ دار سلوني.

 

فبدأ ذلك بالسيد محمد سعيد الحبوبي «1266- 1333هـ»، من أكابر علماء النجف الأشرف، فهو الشاعر الذي يعد من أبرز شعراء القرن الثالث عشر الهجري، والقائد والبطل والمجاهد ضد الاحتلال الإنجليزي للعراق، فتطرق المؤلف إلى حياته ونشأته النجفية وشاعريته، ودراسته وأساتيذه، كما كان يمارس التدريس فقهاً وأصولاً، وجهاده ضد الإنجليز وذلك سنة 1333هـ عندما تحرك السيد الحبوبي عن ثغور الإسلام واتجه بموكبه نحو الحرم الحيدري المقدس خالعاً عباءته مرتدياً جبته حاملاً سيفه، ويكمل الدكتور الصغير ما قام به السيد من مشواره في جهاده ضد الانجليز بالتفصيل فيعايش القارئ في الحدث.

 

ثم ينتقل إلى الرائد المجدد الميرزا محمد حسين الغروي النائيني «1276-1355هـ» والذي يعد أبرز مشاهير العالم الإسلامي في علم الأصول والفقه والنهضة الدستورية، والميرزا النائيني من أسرة معروفة بالعلم والأدب والثقافة والتحضر، وآباؤه وجده مشاهير، فقد كان والده شيخ الإسلام في نائين، وكذلك أجداده.

 

والشيخ النائيني بدا عليه النبوغ والعبقرية وهو في صباه، والتمع نجمه ذكياً أريباً، وحضر حلقات البحث الخارج عند أساطين العلماء، واختص بأبي المعالي الكلباسي في بحثه العالي، ويسطر المؤلف من سيرته العطرة وهجرته إلى العراق بعد أن احتل المنزلة الكبرى لدى الفقهاء والأعاظم وذلك سنة 1303هـ، وقدم لسامراء فجلس يزدد من العلوم على يد المجدد السيد الشيرازي، وانتقل بعد ذلك للنجف واستقل بالتدريس والتحقيق والتعميق وتجديد المباني الأصولية فقد كان بارع فيها ويشار إليه بالبنان في هذا العلم، وتأسيسها على أسس قويمة وتنقيحها بدقة فائقة وإتقان عديم النظر، ولهذا عدّ مجدداً لعلم الأصول.

 

وينتقل الدكتور الصغير إلى تدريسه للبحث الخارج، ومرجعيته، ورجوع كثير من حواضر العالم الإسلامي لمرجعيته. وثم ينتقل إلى السلوك العرفاني لشخصيته وتحليل شخصية وسماتها. ويسطر بعض من تلاميذه، كما ذكر أنه ابدع فيعلم الأصول فيتحدث المؤلف عن مبتكراته في ذلك حيث يعده أنه مجدد لعلم الأصول دون مغالاة في الأمر، ومتضلعاً بخفاياه الدقيقة، وتطوير تدريسه في المباني والمطالب العليا، ومبتكراً لكثير من أبعاده بما وضعه من قواعد عامة.

 

لم يكن الميرزا له دور علمي فقط، بل لعب دوره سياسي ضد الاستعمار العالمي في أشكاله المتنوعة، وموقفه مع الآخوند معاضداً ومسانداً، ودور في ظل الاحتلال البريطاني، وغير ذلك.

 

والقائد الثالث الشيخ محمد جواد البلاغي «1282هـ -1352هـ» وآل البلاغي من أقدم بيوتات النجف وأعرقها في العلم والفضل والأدب أنجبت عدة من رجال العلم والدين. والشيخ البلاغي علامة جليل ومجاهد كبير ومؤلف مكثر خبير، من مشاهير علماء الشيعة في عصره، وأستاذ المراجع العظام، فكان مربياً لجيل من العلماء، كان مكبّاً على التأليف والتصنيف والرد على الشبهات، ومناظرة المنحرفين على الإسلام، وكان من بين تلامذته من تسنّم المرجعية العليا، ومن أبرزهم السيد محسن الحكيم «1306-1390هـ»، والسيد أبو القاسم الخوئي «1317-1413هـ» وغيرهم، كان المرجع البلاغي زاهداً، وورعاً، وله نضال علمي كبير لمذهب أهل البيت. فيسرد الدكتور الصغير سيرته، وحياته التي كانت مملوءة بالعطاء، وشاعريته.

 

والقائد الرابع هو المجاهد الشيخ عبد الكريم الجزائري «1289هـ-1382هـ»مما قاله المؤلف عنه؛ من أبرز زعماء عصره، وألمع قادة النجف الأشرف، ومن العلماء الأبرار العاملين، وصفوة المجاهدين العراقيين، يحظى بتأييد شعبي عظيم، ويتمتع بسمعة وطنية إجماعية، يسحر الجماهير ببيانه، ويستقطب الجموع الثائرة بأدائه، لم يكن عوداً للطغاة، ولم يتنازل لحظة واحدة للمستعمرين، حتى عاد مثلاً للثائر الصامد المجاهد.

 

اندمج الشيخ الجزائري اندمجاً كلياً في الجهاد الوطني، وشارك مشاركة ظاهرة في حركة الحرية والدستور، وحارب إلى جانب المجاهدين الأحرار ضد الاستعمار البريطاني، وساند قائد ثورة العشرين الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي، وكان من المقربين إليه، والتقى زعماء العشائر في الفرات لإعلان الثورة، وشارك بفاعلية قصوى من أجل حصول العراق على الاستقلال السياسي، وكان من رجالات ثورة العراق سنة 1920م ومن المخططين لها والعاملين في صفوفها.

 

وينتقل إلى القائد الخامس السيد حسين بن السيد علي الموسوي الحمّامي «1298هـ -1379هـ»، العالم الفقيه المعظم الحوزي، أصولي بارع، وأستاذ ملهم، أحد أئمة الدين، ومن أبرز مراجع التقليد في النجف الأشرف.

 

أكب السيد الحمامي على الدرس والتدريس طيلة ستين عاماً من الزمن، أخذ لنفسه ما شاء وأعطى لغيره ما استطاع، وهو يبث الوعي، وينشر العلم، ورأى أمنيته المنشودة تربية الجيل فاضل متكامل، وبرز السيد كأحد المراجع البارزين، وكان يدرس البحث الخارج في جامع الهندي، فقهياً، أصولياً، ودراية، فكان رجل الفقاهة المتميز، وبطل العلم الذي يشار إليه بالبنان، والذي كرس حياته العلمية لخدمة الطائفة، وأمّا مؤلفاته فتنوعت بين الفقه والأصول والفلسفة.

 

وينتقل بنا المؤلف بأسلوبه البارع والمشوق إلى أحد العظماء وهو السيد عبد الله الموسوي الشيرازي «1309هـ -1405هـ» الزعيم الجريء، المحنك، العالم العامل المناضل، وروحاني فذّ متميز، من مراجع التقليد العظام في حاضرة النجف الأشرف منذ الخمسينيات من القرن العشرين، كان يتميز السيد الشيرازي بالجهاد الديني والنضال السياسي، فقد وفق بين الجهاد الديني ومسيرته القيادية، وبين مهامه الدينية والتدريسية، فقد كان ذو جرأة سياسية خارقة، ونظرة موضوعية فاحصة، فكان من مواقفه:

 

• شجب التغلغل الصهيوني في إيران تبعاً لسياسة الشاه الضالعة في ركاب الاستعمار العالمي، واستنكر التعاون بين حكومة الشاه وإسرائيل في المجال الاقتصادي والمناخ السياسي، والتسلح العسكري.

 

• وموقفه من الاعتداء الثلاثي على مصر سنة 1956موبياناته وفتاوىه في ذلك.

 

• دوره البارز في الحفاظ على حياة الإمام الخميني وثورته الشعبية سنة 1382هـ، وعلى تأييد الانتفاضة.

 

• ودوره ضد صدام حسين والبكر سنة 1978هـ حيث كان هدفهم القضاء على النفوذ المرجعي باعتباره يشكل خطراً على النظام الحاكم.

 

• موقفه ورفضه من مشكلة تهجير أهل العلم والاستهانة بمقام المرجعية في النجف الأشرف من قبل نظام الحاكم.

 

• كما كانت له مشاريع كبيرة في خدمة الطائفة منها؛ أنشاء مجرسة الإمام أمير المؤمنين العلمية والدراسة فيها وهي على غار الدراسة في حوزة النجف الأشرف.

 

• أنشاء حسينية الإمام الشيرازي.

 

• أنشاء المكتبة العامة للسيد الشيرازي. وغير ذلك. وقد ترك السيد ثروة علمية متخصصة في علمي الفقه والأصول.

 

والسيد محمد الحسيني الشيرازي القائد السابع في الكتاب «1347هـ - 1422هـ» والسيد الشيرازي رجل أرتفع به أولياه إلى درجة التقديس، وهو أهل للتبجيل والتعظيم.

 

السيد الشيرازي من بيت علم عريق، أبوه وجده وأسرته كلهم من العلماء وذو المواقف البطولية والجهادية، والسيد داعية إسلامي كبير ومرجع ديني معروف، وظاهرة فريدة في البحث والتأليف والنشر حتى أطلق عليه سلطان المؤلفين بدون أي منازع أو مبالغة.

 

يضرب فيه المثل في الصبر والمعاناة، وكان يتمتع بالخلق الرفيع، ودرّعاً بالعلم الناضج، ومنفتحاً على كل جديد في الحضارة الإنسانية، لم يقف عند علم الفقه وعلم الأصول وعلم الدراية، فجعل القرآن الكريم إمامه فهداه الصراط المستقيم، وانصهر بالعلوم والفنون الأخرى في الاجتماع والسياسة والتربية والقانون والتعليم وعلم النفس وأطارح الفلسفة والمنظمات الدولية، ولوائح حقوق الإنسان.

 

لم ينسَ مهمته الأساسية في نشر التشريع وإذاعة علوم الأئمة الطاهرين، فحدب على التدريس في بحثه الخارج في كربلاء المقدسة فقهاً وأصولاً فنشأ على يديه جيل من المبلغين والمرشدين وحملة العلم.

 

وهناك له دور كبير في نشر علم أهل البيت ورعاية الشباب، فقد كان ذو قيادة ناجحة، أعداده لكثير من المبلغين الرساليين من حملة الفكر الإسلامي، تهيئته للكادر العلمي المتطور ممن يتمتعون بالتأهيل الثقافي، إشرافه على المنبر الحسيني، عناية الكبيرة والتامة بعنصر الشباب، نشره وتشجيعه على نشر الدوريات والمجلات والنشرات والرسائل الصغيرة، بما يتناسب مع الفهم العام لجماهير المؤمنين بعيداً عن التعقيد اللغوي، تأمين الكوادر المالية المتبرعة والواهبة لإدارة المشاريع.

 

فقد اهتم بالتدريس والنشر، كان له دور ونضال سياسي ومن ذلك بعد القضاء على النظام الملكي سنة 1958م، وأيضاً بعد رحيل والده السيد مهدي 1960م فحمل راية النضال الديني والسياسي في كربلاء بعده أبناءه ومنهم السيد محمد. وقام المؤلف الدكتور بسرد مواقفه الجهادية والسياسية وتفصيل حياته العلمية ومواقفه السياسية حتى وفاته. مع ذكر نبذه عن أهم مؤلفاته الكثيرة.

 

وأخيراً يصل المؤلف إلى آخر القائدة في كتابه وهو الشيخ محمد رضا الشبيبي «1306هـ - 1385هـ» الشاعر، الوطني، والمجاهد ضد الإنجليز، ومشاركته في الثورة على الأتراك، ومشاركته في ثورة العشرين وانه وضع تقريراً مفصلاً عن أوضاع العراق بنفسه، وقد كان له دور سياسي كبير وواضح ومؤثر خلال الحكم الملكي، وبعده الجمهوري.

 

نعم هؤلاء بعض من علمائنا ممن كان لهم دور بارز بالقيادة الدينية أو السياسية أو الاجتماعية بالنجف الأشرف.

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

قيّم هذا المقال

0