الرئيسية | مقالات الرأي | قضايا عراقية | الوكالات العالمية وزيارة الأربعين بين التوظيف السياسي والتعتيم الاعلامي

الوكالات العالمية وزيارة الأربعين بين التوظيف السياسي والتعتيم الاعلامي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

مسلم عباس 

 

عالم اليوم الذي تسوده الصورة أكثر من اي شيء، اختلط فيه الواقع بالخيال، وذابت المصداقية في وحل التضليل، وتسنمت السياسة عرش الاهتمام الاول عن طريق آليات صنع الواقع وتهميش الحقيقة عبر وسائل الاعلام، وهنا أصبح امتلاك قضية سامية غير كاف لعولمتها بدون تغطية وسائل الاعلام التي امتلكت مفاتيح العقول والقلوب.

زيارة "الاربعينية" كما يحلو للعراقيين تسميتها، تمثل أكبر تجمع بشري عقائدي بالعالم. اعداد مليونية قل نظيرها تزحف نحو مدينة كربلاء على بعد مئات الكيلومترات قد تصل الى ما يقرب من ٥٠٠ كيلومتر من اقصى جنوب العراق، في رحلة تمتد على عشرين يوما (من اول صفر حتى العشرين منه)، وينطلقون بأعداد غفيرة من محافظات الوسط والجنوب كافة، وسكان العاصمة بغداد وديالى وبعض الاقضية والنواحي الشمالية، يضاف لهم الوافدون من خارج العراق والذين يدخلون من الحدود البرية لدول الجوار او عن طريق النقل الجوي، ليجتمعوا جميعا في كربلاء المقدسة في مشهد قل نظيره في العالم وربما لا يشابهه اي تجمع عالمي من حيث التنظيم والخدمات المجانية.

اذ تمثل مدينة كربلاء المقدسة العاصمة الدينية لغالبية الشعب العراقي، يجتمعون فيها بأفراحهم واحزانهم، فضلا عن اجتماعهم التقليدي في نهاية الاسبوع رغبة في كسب الثواب وتجديدا لبيعة الولاء لثورة سيد الشهداء الامام الحسين عليهم السلام. وأعظم الزيارات من حيث الاعداد البشرية هي زيارة الاربعينية التي تصادف في العشرين من شهر صفر، ذكرى عودة سبايا الامام الحسين عليه السلام من الشام وزيارتهم قبور شهداء الطف الذين استشهدوا في واقعة كربلاء عام ٦١ هجرية على يد الجيش الاموي بقيادة عمر بن سعد وبأمر من يزيد بن معاوية.

ومنذ ذلك التاريخ يواظب الشيعة -والعراقيون منهم في اغلب الأحيان- على زيارة الامام الحسين بهذه المناسبة وتعرضوا لأبشع انواع المعاملة وانتهاكات حقوقهم من قبل السلطات الحاكمة على مر التاريخ، واستمر الحال الى ان جاءت حقبة ما بعد الحكم الصدامي حيث فسحة الحرية التي منحت للشعب العراقي والشيعة من الدول الاخرى في ممارسة شعائرهم من دون قيود.

وسائل الاعلام الدولية مارست أبشع صور التعتيم الاعلامي خلال سنوات القمع التي كان يمارسها نظام صدام حسين خلال فترة تحالفه مع المحور الغربي، وحتى بعد تحوله الى خصم لدود ادت خلافته العميقة الى الاطاحة به، وبعد عام ٢٠٠٣ استمرت وسائل الاعلام الغربية بنفس طريق التعتيم الاعلامي، او توظيفها بطرق تحرف مسار الزيارة واهدافها النبيلة، وحتى حينما تتناولها فهي تقطع اوصال التاريخ لتقدمها بدون اي جذور ولا اهداف.

وغالبا ما يعترض الكثير من خبراء الاعلام في العراق طوال السنوات الماضية على الطريقة التي يتم تناول الحدث العراقي بشكل عام والزيارات المليونية خصوصا، اذ تبتكر تلك المؤسسات الكبرى طريقة خاصة لتناول الحدث العراقي كجزء من استراتيجياتها في التسويق لقضايا سياسية معينة بما يخدم الاطراف الممولة لها.

في هذا الموسم تم رصد ممارسات لا تتوافق مع المهنية واخلاقيات العمل الصحافي التي ابتكرتها وتروج لها وسائل الاعلام الغربية "الكبرى" وعلى رأسها وكالة "رويترز" وقناة "بي بي سي" البريطانيتين (عينة الرصد لمقالنا)، اذ حاولت الاولى تقزيم الزيارة الى اعداد غير معقولة فيما قامت الاخرى بتوظيفها في اطار سياسي لا يخلو من لغة تحريضية طائفية.

تقزيم الزيارة المليونية

في وكالة رويترز نشرت موضوعا مقتضبا يتحدث عن "مئات الالاف يتوافدون الى مدينة كربلاء" و"نساء يحملن اطفالهن" و"زوار من ايران وباكستان والبحرين". وخلفية خبرية تذكر بان الزوار كانوا يتعرضون لتفجيرات ارهابية.

في هذا الخبر حاولت الوكالة طمر الحدث بطريقة مروعة، اذ ان الصحفي لديه ما يسمى بـ"الاسئلة الستة" التي يجب على كل صحفي ان يجيب عليها ليعتبر موضوعه مطابقا للقواعد المعمول بها في وسائل الاعلام، وهذه الاسئلة هي "من، ماذا، اين، متى، لماذا، كيف"، لكن"رويترز" لم تجيب على هذه الاسئلة.

فالسؤال الاول "من" يجيب عن الفاعل الاساسي في الحدث او اطرافه الاساسية، وفي حدث زيارة الاربعينية كان الطرف الاساسي هو الزوار والاطراف الاخرى هم اصحاب المواكب الذين يقدمون الخدمة على طول الطريق، والقوات العراقية التي تحمي الزوار، والهيئات الحكومية التي توفر الخدمات الرسمية.

والسؤال "ماذا" يجيب عن طبيعة الحدث، انفجار، افتتاح مشروع، مسابقة رياضية، وغيرها والحدث الذي تناولته رويترز هو زيارة مليونية يشارك فيها اناس من داخل العراق وخارجه تجمعهم فكرة الولاء الديني.

والسؤال "اين" يجيب مكان وقوع الحدث والدائرة التي يجري فيها، ومكان الزيارة هو الهدف النهائي للزوار في كربلاء المقدسة.

والسؤال "متى"، يجيب عن زمان الحدث وهي الفترة الممتدة من بداية شهر صفر وحتى العشرين منه، بالإضافة الى خلفياته السابقة.

والسؤال "لماذا"، يجيب عن اسباب الحدث، وفي زيارة الاربعينية احد اهم اسبابها هو مواساة اهل البيت وتجديد البيعة، وتأكيد الانتماء لخط اهل البيت عليهم السلام، ليكون بالنهاية احد اهم الطقوس السنوية.

والسؤال "كيف" يعني طريقة وقوع الحدث وتطور الاحداث فيه، وهي طريقة مجيء الزوار من اقصى جنوب العراق حتى مدينة كربلاء لمسافة تصل لحوالي ٥٠٠ كيلومتر، وامور اخرى، وبالطبع ما ذكرناه هو المرتكزات الاساسية لهذا الحدث المليوني اذا ما اريد تناوله بطريقة مهنية صحيحة.

وهنا نسأل هل خبر "رويترز"، كان مستوفيا لهذه الشروط؟ الاجابة واضحة ولا تحتاج الى تفسير، فالوكالة العالمية مارست عملية تقزيم الحدث وهو خلاف للمصداقية، ولم تجيب على جميع الاسئلة الصحفية الستة وبعض الاجابات التي اوردها لم تكن كافية ابدا، فكل اجابة منها تحتاج الى عشرات الموضوعات المنفصلة لتوضيح جزء بسيط منها، وهنا مارست "رويترز"، تعتيما اعلاميا على حدث كبير جدا.

توظيف الزيارة في الصراعات الدولية

لكن ما فعلته "البي بي سي" قد يكون اسوأ بكثير مما قامت به "رويترز" فالقناة البريطانية "بي بي سي" التي يقدسها الكثير من الصحفيين العرب، قامت بأخذ جانب واحد من الحدث وابرازه باعتباره هو الكل، وبعد ان حصرت الملايين في خبر صغير، ذكرت "بي بي سي" في الشريط النصي اسفل التقرير "السي جي" ما نصه "كربلاء تحيي ذكرى (اربعينية الحسين) وسط استنفار امني لتأمين اكثر من ٢.٥ مليون زائر ايراني. والصحفيون يعرفون ان هذا الشريط يمثل خلاصة الحدث واتجاه القناة ازاءه.

هذه التغطية غير المنصفة لاقت ردود افعال غاضبة من قبل الصحفيين العراقيين الذين وجدوا فيها تحريفا للحقائق واقحاما للممارسات الدينية في الصراعات الدولية الكبرى، اذ كتب الصحفي سلام الحسيني على صفحته في فيس بوك، ان قناة بي بي سي "تسقط في وحل الانحطاط الاعلامي، وهذا ليس جديدا على من يتلاعب بالمفاهيم لتضليل العالم بالمال الذي توظفه ادارة المخابرات الدولية وكل من له خلاف (...) لفرض الاسقاطات الخبيثة على العراقيين (...) ماذا يعني رقم ٢ مليون زائر ايراني امام ما يقرب من ٢٠ مليون اخرين؟ لماذا تهتم البي بي سي بالرقم الاول بدل الاخير؟ لمصلحة من تسعى القناة لتحديد هوية الزائر؟".

اذا هي لعبة سياسية كبرى وصراع دولي يريد استخدام كل ما هو عراقي كوقود لحرق خصمه، واذا فقد الحدث العراقي مقومات الصراع يتم تهميشه بكل بساطة مهما حمل من معايير العمل الاعلامي وقيمه الاخبارية، وحينما يتم اعداد عشرات التقارير عن مولود جديد لحيوان "الباندا" باعتباره حدثا استثنائيا، مقابل تجاهل اناس يجمعون قوت ٣٦٥ يوما من اجل اطعام غيرهم رغم الفقر والحرمان؛ هنا يصبح عدم الايمان بنظرية المؤامرة هو مؤامرة بحد ذاته او جهلا بمجريات الامور.

* مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من قضايا عراقية

Newsletter