الرئيسية | ثقافة ومجتمع | فنون واداب | إضاءة على البناء الروائي لـ" بهّار " *

إضاءة على البناء الروائي لـ" بهّار " *

tcb
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الناقد مؤيد عليوي الناقد مؤيد عليوي

مؤيد عليوي

جلّ ما يميز رواية عن رواية بنائها وتصميم هندستها، الذي يمثل شكلاً لفحواها أو مضمونها، فالإبداع في النثر الروائي أنما يصدر من الفنان مُلهم فيُنسق أجزاء الشكل والبناء بحسب حاجة الدلالة ،أي أن المعنى المراد في نفْس المُؤلف  هو الذي يرسم شكل البناء ،وقولنا هذا في الشكل والمضمون الروائي يتفق بما جاء به صاحب نظرية النظم عبد القاهر الجرجاني (741 هـ ) .

أما رواية " بهار " للروائي عامر حميو ،فـقد بُنيتْ على متن فيه التمهيد الروائي على شكل رقم (1) ،وأخذت الحلقة الكبيرة للشكل من المقطع (2) إلى (27) مكانها الفني من المتن، لتكون خاتمة الرواية في  مقطع(28) المكونة من أربعة اسطر فقط ،لتُبلغ الانتصار على  داعش، من هنا نعلم أن الرواية لم تبنَ على شكل فصول أو مقاطع متساوية القدر في عدد الصفحات والأسطر،بل أخذت مأخذ العدد والأرقام غير المحكومة بعدد الصفحات أو غيرها ، بل في كثير من الأحيان يكون رقم المقطع وسط الصفحة أو في أعلاها ، أو أسفل الصفحة بقريب ، وربَّ قائل يقول أنها من أمور الطباعة ،وهل عدد أسطر المقطع الواحد من أمور الطباعة ؟ طبعا كلا ،المهم أن المراد في نفْس المؤلف هو بناء دلالة المقطع وهذا المراد ساق كل مقطع بعدد من الأسطر التي تحمل المعنى ومن المناسب هنا أن أذكر : كل مقطع يمثل قصة قصيرة متكاملة الجوانب الفنية،باستثناء المقطع الأخير الخاتمة،نعود إلى بناء الرواية والحلقة الكبيرة في بناء المتن من (2) إلى (27) ، حيث حازتْ على مقاطع متباينة المضمون  متسلسلة في سرد الأحداث عبر حركة الشخصيات الرئيسة في الواقع الروائي – بهّار وآمال وفيفيان – بسبب ارتكن البناء الروائي على حركة الشخصيات الرئيسة دون الاعتماد على رسم الإحداث لتسيرَ فيه الشخصيات الرئيسة والثانوية، إذ جاءت الشخصيات الرئيسة ومعاناتهن وذكرياتهن الركن المهم والاهم في بناء المتن - وهذا الجانب الفني في رسم الشخصيات -  أتى بمضمون كل مقطع متباين الدلالة عن المقطع الذي قبله أو بعده يخص هذه الفتاة أو ذكرياتها، أو يخص واقعهن في الأسر ،أو معركة وقعت بقربهن، أو حوار دار بين الخاطفين الدواعش ، وهكذا ...،فيؤدي كل مقطع من مقاطع المتن دورا دلالياً مهما متسلسلا  متصل غير منفصل عن جو الرواية العام ودلالته العامة المفضية إلى فضح وكشف ظلم مَن تستروا بالدين الحنيف تلك الفتنة التي ذكرها الإمام علي -عليه السلام- في نهج البلاغة والتي نشرتها بعض وسائل الإعلام بعد سقوط الموصل 2014، فيما كوّن سرد الإحداث بطريقة الراوي العليم أو على لسان الشخصية ، أو...، حلقاتٍ اصغر تساند وتعزز الحلقة الكبيرة من (2)إلى (27) في جانبها الفني .

فلو قرأ المتلقي عشوائيا أي مقطع من المقاطع وأعاد المقطع الذي قبله وبعده ، لوجد ما قدمناه، بل سيجد كل قارئ لـ " بهار " بعد قرأته لهذه السطور عمق البناء الروائي لها، فمثلا لا حصرا تأخذ المقطع ( 12 ) الذي يبدأ من منتصف صفحة (83) وينتهي في الصفحة (91) وكان أسلوب الراوي العليم يفتح سطور الصفحات بسرد عن حال الفتاتين – بهار وفيفيان – وحال البلاد من حرب إلى حرب منذ عقود، بينما المقطع (11) يبدأ من أعلى صفحة ( 71 ) وينتهي في منتصف صفحة ( 83 ) بأسلوب الشخصية التي تروي عن ذكرياتها ليكون المقطع (11 ) كله عبارة منام كانت تحلمه بهار وهي في المشفى ولا نكتشف سر هذا المقطع الحلم إلا في نهايته،عندما أجابها الطبيب بأنه حلم وفيه نطلع على تفاصيل الديانة  الايزيدية  في هذا المقطع، ليتنقل بعدها  المتلقي إلى المقطع ( 12 ) وهو مُعد نفسياً لقراءته بهذا الأسلوب السلس المشوق الذي تحتاجه الرواية ومتواصلا بين المقطعين عبر شخصية بهار وما جرى عليها وعلى زميلتيها، وهكذا تجد تباين مضمون كل مقطع يتناسب مع شكله وعدد صفحاته وعدد السطور .

ومن الأمور الفنية المهمة في بناء المتن الروائي هي عملية الأخبار التي تقوم بها الرواية على أنها عبارة عن تلك الأوراق التي كانت بيد بهار وفيفيان عند خروجها من المشفى سالمتين كما في المقطع الأخير  ( 28 )الخاتمة ، بإشارة ذكية على واقعية الرواية وربما البعض يقول وما فائدة هذا الإخبار اليوم ونحن نعلم صدق الرواية ، نقول أنها مهمة في القادم من الزمان سوف تمر الأيام وتنسى الأجيال الفعل البشع الذي قامت به عصابات داعش الإرهابية ، فهذه الإشارة مهمة للأجيال القادمة  ممن يقرأ الرواية ، فعلى الرغم من الرواية فنية بكل مواصفاتها إلا أنها وثيقة أدبية تاريخية دقيقة لدقة المعلومات وموضوعية عرضها للقارئ بنفس وطني وأنساني منصف ومما يعزز هذا الجانب في قولنا الحاشية الغنية بالمعلومات الدنية والتاريخية والسياسية والجغرافية ،وبعض من علم النفس ، ومن الأخير أنطلق في الحاشية إلى المتن  لتحليل رسم الشخصيات الرئيسة والثانوية ، إذ أسعف المؤلف عامر حميو اطلاعه الواسع وثقافته الثرة في مجالات الثقافة عموما ومنها علم النفس الذي أسعفه في رسم الحالة النفسية لكل شخصية وسلوكها وردة فعلها في الواقع الروائي فعندما تقرأ كأنك ترى الشخصيات تتنفس بين كلماته ، وتتعاطف مع المظلوم منها وتنفر من الظالم ، وما يُخلق هذا التفاعل مع الرواية وشخصياتها وأحداثها لولا اللغة الثرة في اغلب مفاصل سطورها، كما جاء الحوار في اغلب الأحيان حوارا كاشفا للحدث والحالة النفسية للشخصيات وأسرارها والأمثلة كثيرة عليه ،وما ذكرنا لهذه الأمور الفنية في مضمون أو تفاصيل الرواية إلا لكونها  تمثل مضمونا كاشفا للبناء الصغير في الحلقة الكبيرة  منه، فمثلا تجد  في أخر صفحتين المقطع (24 ) حواراً بين شخصيات ثانوية من الدواعش ، ينتهي باسم أبو قتادة ، ويبدأ المقطع (25 ) باسم أبو قتادة لينتقل تسلسل الأحداث بسلاسة عبر الشخصيات في البناء العام من المتن،وكذلك نلحظ غزارة الحوار في المقاطع الأخيرة من الرواية ، إلا أن الاختلاف  بكيفية الانتقال من مقطع إلى مقطع ففي نهاية المقطع  (25 )حوار ينتهي بذكر أغنية  فيروز في الصباح  جاء الرابط بينه وبين بداية المقطع (26) الحالة النفسية لشخصية بهار في حالة بزوغ الفجر ،وهذا ما يمنح البناء الروائي متانة وقوة في استعمال الحوار كأداة فنية داخل البناء العام فيؤدي دورا دلالياً كاشفاً للأحداث وإسرار الشخصيات من  جهة ،ومن جهة ثانية رابطا متينا بين المقاطع مؤديا حالة من الانسجام والسلاسة في الانتقال من مقطع إلى أخر .

وما بقي من  المضمون توضيحه أن الفتيات  بهار وأمال وفيفيان ، هنّ الشخصيات الرئيسة في الرواية ، بهار من الديانة الايزيدية ، وأمال مسلمة شيعية ، وفيفيان مسيحية ، تعرضن إلى حالة الأسر بيد الدواعش في الموصل المكان الروائي ، والزمان بداية سقوط الموصل حيث جرت الأحداث الواقعية بسرعة كبيرة وبما أن هذا المضمون منقول من الواقع بفنية العمل وموضوعية الرأي وبنفَس أنساني وطني كان لابد من أن يتأثر الروائي عامر حميو بهذا الواقع السريع الأحداث وقد جاء هذا التأثر في شكل البناء العام للرواية، بأن تكون المقاطع ذات صفحات قليلة لكل منها على اقل تقدير ( 5-7 ) صفحات فتحقق سرعة الانتقال من مقطع إلى أخر، باستثناء المقطع (26 ) الذي بلغ عدد صفحاته (14 ) صفحة ، ولم يكن الروائي عامر حميو قاصداً لهذا الأعداد في الصفحات لكنها طبيعة النفس البشرية تتأثر بالمحيط وعوامل المؤثرات الخارجية ، أما القصدية لديه كانت بالُمراد من الكتابة والتي تجلت في صياغة العبارة والجملة بما أفضت إلى أن تنهي هذه القصدية بنهاية كل مقطع ويبدأ مقطع جديد .

...............................................................

*رواية بهار ، عامر حميو ، دار ليندا  للطباعة والنشر والتوزيع، السويداء ، سوريا ،2016 .

 

 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من فنون واداب

Newsletter