الرئيسية | ثقافة ومجتمع | فنون واداب | الميتا - قص ... ما تجلّى في العتمة " *

الميتا - قص ... ما تجلّى في العتمة " *

tcb
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الميتا - قص  ... ما تجلّى في العتمة " *

مؤيد عليوي 
قدّمَ القاصُ محمدُ الكريم نفسَهُ قاصاً ذا خبرةٍ في فن القصة القصيرة ،من خلال مجموعته القصصية الثانية " ما تجلّى في العتمة " التي أعلنت عن موهبته وخبراته الجديدة المكتسبة بعدَ تجربتهِ الناجحةِ في قصص مجموعته الأولى" أبي يركضُ وراءَ الأحلام "،ففي الوقت الممتد بين إصدار مجموعته الأولى والثانية،كانت القصة عنده تأخذ منحىً أكثر نضجاً وأكثر تطوراً وعمقاً في الشكل والمضمون وفي الموضوع والفن بين سرد الحداثة و سرد ما بعدها .
أما ثيمة هذه الدراسة التي تندرج ضمن دراسات ما بعد الحادثة ، واللافتُ أن مجموعة قصص" ما تجلّى في العتمة "لم يكن لها مقدمة من القاص محمد الكريم،أو مقدمة من ناقد وهذا الخروج على المتعارف والتقليدي في فعل الكتابة وإصدار المجاميع القصصية أو الشعرية أو الكتب النقدية والأدبية عموماً كما كان وقت الحداثة الأدبية في العراق ، فيُعدّ أو يُحسب عدم وجود مقدمة لـ" ما تجلى في العتمة " على سرد ما بعد الحداثة، إذ أغلب القصص حداثة والواقعية منها بشكل خاص في عقد ستينات القرن المُنصرم، كانتْ تَبدأُ بمقدمةٍ للقاصِ مِن مِثل قصة " مولود آخر" الصادرة بداية سنة 1960 للقاص والروائي غائب طعمة فرمان -1-، وغيرها من قصص ذلك الوقت وحتى وقتنا هذا، فالسير على تقليد الكتابة وإصدار المطبوع هو مِن الحداثة وسردها التي تلتزم بقياسات القواعد والتقليد الكتابي، وهنا لابد من أشارة مضيئة إلى أن عدم وجود مقدمة أيّا كانت المقدمة في بداية قصص " ما تجلّى في العتمة " هو خروج محمود على تقاليد الكتابة والإصدار إذا علمنا أن اغلب قصص القاص محمد الكريم فيها، تحمل سمات سرد ما بعد الحداثة ومنها الميتا - قص،بمعنى انه - أي القاص- وافق بين شكل ومحتوى المطبوع وآلية سرد أغلب القصص، من حيث سرد ما بعد الحداثة الذي هو خروج على النسق الثقافي وتقاليد الكتابة الحديثة وهذا يتماهى مع قول د.خالدة أحمد سعيد في موضوعة التعبير الفني أي الإنشاء والخلق في الإبداع الكتابي،حيث ترى هي : أن الإبداع في الكتابة هو تجاوز القواعد السابقة وكسرها فنيّاً وبناءُ الفنِ بقواعد جديدة،ومازلنا في مضمار الكاتبة كونها فعلا أنسانيا نتذكر قول د.عبد العظيم رهيف السلطاني وفكرة أن المبدع يكتب، فيرى هو: أننا نكتب لكنّ الحقيقية أن فعل الكتابة هو مَن يكتبنا، فتنبلج لنا رؤية الذات الإنسانية بعد انجاز الكتابة .
أما الميتا - سرد أو الميتا - قص من جهة تنظير د.جميل حمداوي له : فـ((يُقصد بالميتا - سرد أو الميتا - قص(Métarécit) ،ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقداً، كما يعنى هذا الخطاب الوصفي برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة وتشكيل عوالم متخيل السرد، وتأكيد صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد ، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية ، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته ، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام. بمعنى أن الخطاب الميتاسردي يحقق وظيفة ميتالغوية أو وظيفة وصفية (Fonction métalangage) تهدف إلى شرح الإبداع تمظهراً ونشأة وتكوّنا، وتفسير آلياته وتقنياته الفنية والجمالية قبل الإبداع، وأثناءه، وبعد الانتهاء منه))، فالتطبيق على ما تقدم مِن تناول كتابة القصة في قصص المجموعة "ما تجلّى في العتمة " نقرأ في قصة " الذبابة والرجل" التي جاء فيها : ((أكتب عن شخص عادي لا يثير الاهتمام وشكله عادي لا يلفت النظر أنفق الوقت في أحداث صغيرة يمرّ بها وأحاول أن أطيل بالكتابة أحاول أن استهلك أوراق كثيرة وأنضدها على كمبيوتري الحديث الذي تشمئز الشاشة من أن تعرض هذا اللغط والهوس والحروف التي لا معنى لها ..اترك الكتابة اشعر بالملل )) ويستمر سرد الميتا - قص في مطاردة فعل الكتابة وحالة اللاشعورية للكاتب في معاناته من واقع سرد القصة حتى تتحرك الغرائبية والتخييل لتعيق فعل الكتابة للكاتب البطل المنهزم أمام الذبابة برمزيتها الصغيرة وفعلها الكبير في القصة ليكون سرد قصة داخل قصة ، فيعاني الكاتب من سرقة معلوماته وقصته وإبداعه ،حيث نقرأ: (( استيقظُ صباحاً.. لا أتذكر شيئا فقد سيطرت الذبابة على الملفات المعنية بالتذكر (وهكرتها ).. هربتْ بها لا أدري إلى أين ..إلى أي رأس نقلتها، أم أنها ستعمل بدلاً عني ؟)) ، كما فيها نوع من الميتا- قص للشخصيات في تمرد الشخصية التخييلية المسرودة داخل سرد القصة، على الكاتب الذي سرقت ملفاته وقصصه ذبابةٌ ومنحتها إلى تلك الشخصية التخييلية التي أوجدها الكاتب الذي ضُرب من الشخصية التخييلية وسأله في حوار مضطرب كانت قوة البوصلة تتجه للشخصية التخييلية وضعف الكاتب واضحة ينظر صفحة 9 من المجموعة قصة " ذبابة ورجل " ، مما منحها مساحة اكبر في رسم شخصياتها، وهذا كان من هموم الحداثة حيث يرى عباس محمود العقاد :(( القصة القصيرة أو الحكاية لا تتسع لرسم شخصية كاملة أو عدة شخصيات من جميع جوانبها ...)) -3- ، التي تجاوزتها الميتا –قص بهذه الطريقة في قصة " الذبابة والرجل" ، وفي قصة " نهايات " التي يحيلها الميتا - قص إلى التداخل السردي أو القصصي بين سرد شخصية الكاتب الذي يفقد وعيه ،وسرد شخصية البطل السجين الهارب الشخصية التخييلية في القصة ، بتعاقب وتناوب على الرغم من قصر القصة،ويتحقق فيها كذلك ميتا - قص الشخصيات من خلال تمرد السجين على الكاتب ،ويرفض ما كتبه من سرد حتى نصل نهاية القصة " نهايات" لنجد في خاتمتها ميتا - قص القراءة والتلقي في أخر سطر منها بإشراك القارئ في اختيار نهاية ثالثة حيث نقرأ فيها : (( النهاية ثالثة / أكتبها .. واحتفظ بها لنفسك )) – 4- ، فقصص المجموعة هي تقع ضمن منطقة الميتا - قص ،كما تقدم في القصتين ،ومثلهما قصة "الكاتب" التي تسرد أزمة فعل كتابة القصة والمهارة والفن التي لا يمتلكها الكاتب لكنه يتسرع في نشر ما يظنه قصصاً . أما من حيث مفاهيم سرد الحداثة في مجموعة القصص " ما تجلّى في العتمة " ففي أغلب قصصها يتعرض البطل للضرب المبّرح وينهزم وتتنصر عليه هوامش المجتمع، من مثل انتصار مفاهيم الهامش الاجتماعي الدعارة في قصة "قرار" ، بوصفها مفهوما مهشما ومهملاً اجتماعيا، لكنها هي التي تنتصر ويهرب بطل القصة إلى مكان أخر، وغيرها من المفاهيم التي من السهولة أن يجدها المتلقي القارئ،وفي قصة "ما تجلّى في العتمة " تعود الميتا –قص في موضوعة عن المسرح وفيها فعل كتابة المسرح بطريقة غريبة جدا حيث يقوم مجموعة من طلبة كلية الفنون المسرحية بكتابة بحوث التخرج وهي تأليف مسرحي من حوار واقعي ،لكنها من خلال أعمال عنف حقيقية في السرد القصصي ،ضد البطل المنهزم والمستسلم لواقع ما فعلوا فلم يعلم أنهم طلبة يكتبون ويدونون كل ما يقوله ويفعله وهو محتجز لديهم ظنا منه أنهم رجال أمن الدولة أو الشرطة، فالكاتب في هذه القصة هم مجموعة وليس كاتب واحد ، والضحية يكون البطل لما تعرض من هوان وضرب مبّرح بترميز إلى المجتمع أن يكو ضحية الفوضى ،وبما أن سرد القصة يتبؤر حول كتابة المسرح فأن السرد القصصي يأخذ تسمية بميتا – المسرح النقدي إذ القصة تشبه مسرحية اتخذت من السرد القصصي مسرحاً من التخييل والغرائبية، والغرائبية فيها من أن طلبة المسرح الذي يعلم الشعوب يكون طلبته بهذه الأنانية والقسوة، فتكون القصة انتقاد لطريقة كتابة المسرح أو بحث التخرج لأن فعل الطلبة كان خطراً وبلا أدمية كما قال بطل القصة في نهايتها :(( ..كانوا يبحثون عن الجانب لنفسي وكسب الأقوال عقب التعذيب، كتبوا مسرحيات وأنا أتألم .. واعتذروا!!!..)) وفي هذا النسق الثقافي تكون القصة في سردها منتمية لما بعد الحداثة وفي نهايتها الناقدة حداثوية تقف بقوة ضد نسق سرد ما بعد الحداثة،كما تطلق ذات التسمية ميتا – المسرح النقدية على أخر قصة قصيرة جدا في المجموعة – جزء منها قصص قصير ة جدا- وهي قصة "مسرحية " التي تنقد المسرح العراقي بشكل عام من خشبة وجمهور من خلال رمزية خلو المسرح في نهاية القصة وتصفيق كراسيه وحدها،كما لا تخلو مجموعة"ما تجلّى في العتمة" من سرد يحمل سمات الحداثة . ...................................................................................
* "
قصص ما تجلّى في العتمة"،محمد الكريم ، دمشق ، دار تموز ،2017 .
1 -
ينظر : "في القصة العراقية" ، باسم عبد الحميد حمودي ، منشورات الاتحاد العام للكتاب في العراق ، الطبعة الثانية ، سنة 2018 : ص 46
2 – "
أشكــــال الخطاب الميتاسردي في القصـــة القصيــرة بالمغرب " ، د.جميل حمداوي، الكتاب منشور في شبكة المعلومات الدولية ، ص 5. كما ينظر : " المبنى الميتا- سردي في الرواية " ، فاضل ثامر ، بغداد ،دار المدى ،ط 1 ، 2013 ، من اجل الاطلاع على المصطلح من جهة الرواية ،وكيفية كتابته بالنسبة (الميتا –قص) في عنوان المقالة أعلاه فيما يخص القصة القصيرة ، بحسب كتابة المؤلف العراقي فاضل ثامر في الرواية .
3 – "
ألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي" ، عباس محمود العقاد ، مقدمة الكتاب ضمن حديثه عن رسم الشخصية القصصية بصورة عامة
4 -
ينظر : نفس المصدر السابق : في المصطلحات : التداخل المياتسردي أو القصصي ، الميتاقص الشخصيات ، ميتاسرد أو ميتاقص القراءة والتلقي ، الميتا – مسرح .

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من فنون واداب

Newsletter