الرئيسية | مقالات الرأي | حق الله على الناس

حق الله على الناس

tcb
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

جميل عودة

 

 فضل الله عز وجل بعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، ففضل شهر رمضان على سائر الشهور، فأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وخصّه بليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر. وتفضل على عباده بالرزق والبركة؛ والعفو والغفران، زيادة على الأشهر الأخرى.

 وفي شهر رمضان، يحترز الناس بالتقوى والانضباط، وحفظ اللسان والجوارح، ويتدربون على الصبر والمثابرة، ويختبرون عزائهم، ويهذبون عواطفهم، ويلجأون إلى الله عز وجل بالصوم والصلاة والزكاة والاعتكاف، وغيرها من العبادات الواجبة والمستحبة؛ لأداء حق الله عليهم؛ ونيل ثوابهم في الدنيا وفي الآخرة.

 ويلطّف شهر رمضان المبارك المشاعر والأحاسيس، ويجعل الناس يتراحمون فيما بينهم، ويتعاونون لقضاء حوائج بعضهم بعضا، وكأن شهر رمضان، بجوعه وعطشه، وبتقواه وصبره، وبعطائه ومننه، هو شهر الاتصال والتواصل بين الخالق والمخلوق، وهو شهر تبادل الحقوق والواجبات بين الله وعباده من جهة، وبين العباد أنفسهم من جهة ثانية.

 وقد يتبادر إلى الذهن؛ السؤال الآتي: ما معنى حق الله على العباد؟ وهل لله حق على عباده؟ وما سبب هذا الحق؟ وماهي صور ذلك الحق ونماذجه؟ وماهي الآثار المترتبة على تطبيقه؟ وكيف يمكن التواصل والاتصال بالله عز وجل لأداء ذلك الحق وتنفيذه، سواء في شهر رمضان أم في سواه من الأيام والأشهر؟

 إن معنى "حق الله على العباد" هو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى؛ وتعظيمه؛ وإقامة شعائر دينه، أو قصد به تحقيق النفع العام دون اختصاص بأحد. ونسب هذا الحق لله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه. وهذا الحق أحق الحقوق وأوجبها وأعظمها؛ لأنه حق الله تعالى الخالق العظيم المالك المدبر لجميع الأمور، حق الملك الحق المبين الحي القيوم الذي قامت به السماوات والأرض، خلق كل شيء فقدره تقديرا بحكمة بالغة. وحق الله تعالى يشمل: الإيمان به جل جلاله؛ والصلاة؛ والصيام؛ والزكاة؛ والحج؛ والجهاد؛ وإقامة الحدود والكفارات، وغير ذلك.

 ربما يقول قائل ليس لله حق على عباده، لا من جهة الخلق، ولا من جهة الرزق، فالخلق لا يوجب لله حقا على المخلوق؛ إلا إذا كان ذلك الخلق بطلب المخلوق نفسه؛ وبما أن العباد المخلوقين خلقوا دون طلب منهم؛ فانهم غير ملزمين بأي حق لله عز وجل. والرزق كذلك لا يوجب لله الحق على عباده، لأن من واجب الخالق إذا أراد من مخلوقه القيام بعمل ما أن يزوده بمئونة ذلك العمل، وبما يتمكن من أداءه على الوجه الصحيح، وهذا لا يستجوب الشكر إلا من الناحية الأخلاقية المحضة. مثل ذلك مثل الشخص الذي يعطي شخصا آخر مالا أو طعاما، فله أن يشكره، وله ألا يشكره؛ فالشكر ليس واجبا عليه.

 ولكن لو تأملنا قليلا، قد نصل إلى نتيجة مغايرة تماما، ومفادها: إن الله عز وجل لم يقل أيها الناس إن حقي عليكم هو في مقابل خلقكم ووجودكم، ولم يقل إن حقي عليكم هو في مقابل متاعكم ورزقكم في هذه الدنيا، بل يقول أيها العباد أنتم الآن بالفعل موجودون في هذه الدنيا، وتتمتعون بمتاعها، ولكم أن تقولوا ما تشاءون، وأن تفعلوا ما تشاءون. وقد يشكرني بعضكم؛ لأني خلقته ورزقته ومتعته، وسأزيده لشكره، وقد يكفر بي بعضكم؛ لأني خلقته في عالم لا يريده، أو أوجدته في حياة لا يحصل فيها على حاجته وكفايته.

 في الواقع، لله حقوق عظيمة على عباده، والسبب الرئيس لهذه الحقوق، ليس خلق الناس وعيشهم، وليس رزقهم ومتاعهم في هذه الدنيا فقط، بل لأن الله خلق لعباده دارا غير هذه الدار، وهي دار الآخرة، دار مستقرة ودائمة وأزلية، دار لا تبلى ولا تفنى، (والآخرة خير وأبقى) وفيها جنة وفيها نار، ولكن دخول الجنة والتمتع بنعيمها مشروط بأداء ما فرض الله على عباده من حقوق، فمن أدى تلك الحقوق دخل الجنة، ومن لم يؤديها دخل النار. هذا من جهة الآخرة.

 ومن جهة الدنيا، فواضح أن الله هو الغني، والناس هم الفقراء، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد) وهم محـتاجون إلى الله في وجودهم؛ كونه هو المحيي وهو المميت، ومحتاجون إلى الله في رزقهم ومتاعهم؛ كونه هو المالك لكل شيء، سواء ما نملكه وما لا نملكه، ومحتجون إلى الله في كشف البلاء والضراء، ومحتاجون إلى عفوه ومغفرته، وكل هذا يستوجب الشكر لله، وهو جزء من حقوق المالك على المملوك. وحقوق الغني على الفقير.

 مثل ذلك مثل الحاكم الذي يملك البلاد والعباد، فيقول: أيها الرعية هذه الأرض قد نفذت ذخيرتها، وقلت مؤنتها، ولا تصلح لحياتنا وعيشنا، وقد قررت أن أنتقل بكم إلى الأرض الأخرى، ففيها الحياة والعيش والمستقر، فمن منكم راع حقوق قومه، وأصلح فيما بينهم، وأعان فقراءهم، وساعد ضعفاهم، حتى نصل، فله علي-في تلك الدار -بيت كبير، ومال وفير، وخير كثير. ولكي يتحقق ما طلبته منكم، سأمنحكم جزء من قوتي، وسأعطيكم جزء من ثروتي، لتستعينوا به على تكليفكم.

 فإذا انبرى أحد الرعية وأعان قومه بما يملك من قوة وثروة وقول سديد، وعدل فيما بينهم وأنصفهم من نفسه حتى وصلوا إلى تلك الأرض، فان العقل والمنطق يستوجبان أن يوفي ذلك الحاكم بوعده الذي قطعه، كما أن العقل والمنطق يستوجبان أن يشكر الفائز ذلك الحاكم، وشكره لا ينحصر في جائزته، بل يشمل كل ما وفره له من قوة ومال لكي يتمكن من الفوز بتلك الجائزة.

 ولما كان الناس جميعا محتاجين في حقوقهم إلى الله، سواء في حياة الدنيا؛ من حيث الوجود والعيش المؤقت، أو في حياة الآخرة؛ من حيث الوجود الأبدي والعيش الرغيد، فعليهم أن يعرفوا حق الله عليهم، وأن يؤدوا ذلك الحق على أكمل وجه، من أجل أن يحقق لهم حقوقهم التي يحتاجونها في الدنيا والآخرة، ولا حق لله أعظم من حق عبادته وتوحيده.

 فالعبادة هي محور الحقوق والواجبات المتبادلة بين الله وبين عباده. بعبارة أخرى إن الله إنما خلق الخلق لأجل عبادته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فأرادته تتعلق بعبادته وليس بشيء آخر، وحقه علينا أن نعبده ولا نشرك به شيئا، وعلى قدر تلك العبادة سنحصل على حقوقنا أيضا، وهي إما أن تكون حقوقا في الدنيا، وإما أن تكون حقوقا في الآخرة. فمن رغب عن عبادته لا يحصل على أية حقوق، وليس من حقه أن يطالب الله بحقوق، ومن اجتهد في عبادته وطاعته؛ نال ضعف ما عمل من عمل صالح (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ).

 قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: (جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليها مضاعفة الثواب تفضلاً منه، وتوسعاً بما هو من المزيد أهله. ثم جعل سبحانه من حقوقه حقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض.)

 وبديهي ان اللّه تعالى غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة المطيعين وعبادتهم، ولا تضره معصية العصاة وتمردهم، وإنما فرض عبادته على الناس لينتفعوا بخصائصها وآثارها العظيمة، الموجبة لتكاملهم وإسعادهم.

 قال عليه السلام: فَرَضَ اللهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، والصلاة تنزيها عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاَءً لْإِخْلاَصِ الْخَلْقِ، وَالْحَجَّ تَقْرِبَةً لِلدِّينِ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلاَمِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ، وَالنَّهْيَ عَنِ المنكر ردعا لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنْماةً، لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ..).

 ونخلص مما تقدم أن لله حق على العباد ومن أوجب هذه الحقوق وأكبرها هي:

1. حق العبادة: قال علي بن الحسين عليه السلام: (فأما حق اللّه الأكبر فأنك تعبده، لا تشرك به شيئاً، فإذا فعلت ذلك بإخلاص، جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة، ويحفظ لك ما تحب منه).

2. حق الطاعة: وهي الخضوع للّه عز وجل وامتثال جميع أوامره ونواهيه. قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وقال الإمام الحسن الزكي عليه السلام: (وإذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية اللّه إلى عز طاعة اللّه عز وجل).

3. حق الشكر: وهو عرفان نعمة المنعم، وشكره عليها، واستعمالها في مرضاته. والشكر خلة مثالية يقدسها العقل والشرع، ويحتمها الضمير والوجدان، إزاء المحسنين من الناس. فكيف بالمنعم الأعظم الذي لا تحصى نعماؤه، ولا تعد آلاؤه؟ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾.

4. الحق التوكل: وهو: الاعتماد على اللّه عز وجل في جميع الأمور، وتفويضها إليه، والإعراض عما سواه. والتوكل، هو من أجل خصائص المؤمنين ومزاياهم المشرفة، الموجبة لعزتهم وسمو كرامتهم وارتياح ضمائرهم، بترفعهم عن الاتكال والاستعانة بالمخلوقين، ولجوئهم وتوكلهم على الخلاق العظيم القدير في كسب المنافع ودرء المضار. لذلك تواترت الآيات والآثار في تمجيد هذا الخلق، والتشويق إليه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وقال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للحسن عليه السلام (والجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك، فأنك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز).

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من مقالات الرأي

Newsletter